قمة حاسمة بين قطبي السلطة في كردستان العراق لرسم مستقبل الإقليم
الاجتماع يهدف لتسريع تشكيل حكومة الإقليم وتفعيل اتفاقات الحزبين، وتوحيد الموقف الكردي في بغداد حول أزمة الرواتب والمستحقات المالية.

اجتماع مفصلي لبحث سبل الحل
أبريل (كردستان العراق) عقد قطبا المشهد السياسي في إقليم كردستان العراق الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني اليوم الاثنين في قضاء بيرمام/ مصيف صلاح الدين، اجتماعا هاما يهدف إلى التوصل إلى موقف كردي موحد بشأن الملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد وعلى رأسها الرواتب المتأخرة لنحو شهرين ونصف، وحلحلة الجمود السياسي بشأن تسريع تشكيل حكومة الإقليم.
وترأس الاجتماع زعيم الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني، بحضور رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، إلى جانب رئيس الاتحاد الوطني بافل طالباني، ونائب رئيس الحكومة قوباد طالباني.
وهذا الاجتماع الاستثنائي يأتي في ظل أزمات متراكمة يترقب الشارع الكردي نتائجه بشغف، كبارقة أمل قد تسهم في إخراج الإقليم من جموده السياسي وتمهيد الطريق لحل طال انتظاره.
وقال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، ريبين سلام، لوكالة “بغداد اليوم” إن “الاجتماع يأتي في إطار تحريك الجمود السياسي والعمل على تسريع تشكيل حكومة إقليم كردستان، إلى جانب تفعيل الاتفاقات السياسية المبرمة بين الحزبين”، وهو ما يكشف عن الأهداف المباشرة للقاء الذي يسعى لإنهاء حالة الشلل الحكومي في الإقليم.
وبيّن سلام أن جدول أعمال اللقاء سيتضمن كذلك “مناقشة توحيد الخطاب والموقف الكردي في بغداد، لاسيما في ما يخص الملفات الخلافية مع الحكومة الاتحادية، وعلى رأسها أزمة الرواتب والمستحقات المالية لموظفي الإقليم، التي باتت تثقل كاهل المواطن الكردي”.
يأتي هذا الاجتماع بالتزامن مع إعلان المحكمة الاتحادية العليا، الأحد، تأجيل جلسة الاستماع الخاصة بالطعون المقدمة ضد قرار حل الدورة السادسة لمجلس برلمان إقليم كردستان، إلى 21 من الشهر الجاري، لإتاحة الفرصة أمام مناقشة الطعون بصورة شاملة قبل إصدار الحكم النهائي.
وخلال الأشهر الخمسة الماضية، عقد الحزبان الديمقراطي والاتحاد الوطني جولات عدة من المفاوضات، انتهت بتشكيل لجنة مشتركة، هدفها صياغة مسودة يجري الاتفاق عليها للبرنامج الحكومي المقبل، وآلية توزيع المناصب التنفيذية لحكومة الإقليم، لكن الاتفاق لم يفض إلى أي نتائج تدفع نحو الإسراع بحسم ملف تشكيل الحكومة.
وتعود جذور الخلافات إلى تباين الرؤى حول تقاسم السلطة، وصلاحيات المناصب الرئيسية مثل رئاسة الإقليم والحكومة والبرلمان.
وخلال الفترة الأخيرة حمل خطاب الاتحاد الوطني درجة من اللين بعد أن كانت قيادات الحزب قد أعلت من سقف مطالبها بشأن تشكيل الحكومة وأبدت إصرارها على الحصول على مناصب قيادية خارج الاستحقاق الانتخابي للاتحاد الذي وضعته نتائج الانتخابات ثانيا بعد الحزب الديمقراطي ومتأخرا عنه بستة عشر مقعدا من مقاعد البرلمان المنتخب في أكتوبر الماضي.
وجعلت قيادات الاتحاد على مدى الأشهر الماضية من شعار تصحيح مسار الحكم واجهة لطموحها لقلب معادلة السلطة القائمة في الإقليم والتي اقتضت أن يكون الحزب الديمقراطي قائدا رئيسيا لسلطات الحكم الذاتي تبعا لوزنه السياسي وحجمه الجماهيري والانتخابي.
وسُجل مؤخّرا تراجع ملحوظ لذلك الشعار من خطاب تلك القيادات التي بدأ بعضها يبحث له عن تأويل مرن أقل إثارة للخلافات.
وحل الاتحاد الوطني في الانتخابات في المرتبة الثانية بعد الحزب الديمقراطي وذلك بحصوله على ثلاثة وعشرين مقعدا من مجمل المقاعد المئة بالبرلمان بينما حصد منافسه الأكبر الحزب الديمقراطي على تسعة وثلاثين مقعدا.
وشهد البرلمان بدورته السادسة انعقاد جلسته الأولى في مطلع ديسمبر 2024، والتي تضمنت تأدية اليمين القانونية لأعضائه، وإبقاء الجلسة مفتوحة بسبب عدم حسم المناصب الرئيسة في الإقليم.
يأتي الاجتماع في وقت حرج، حيث لم يتسلم موظفو إقليم كردستان رواتبهم منذ 74 يوما، الأمر الذي أدى إلى مقاطعة الدوام الرسمي في عدد من الدوائر بمحافظتي السليمانية وحلبجة.
وكانت وزيرة المالية العراقية، طيف سامي، أعلنت في كتاب رسمي بتاريخ 28 مايو الماضي، موجّه إلى إقليم كردستان، أن حصة الإقليم من الموازنة العراقية قد تم تسديدها بالكامل، ولا يوجد أي مبلغ مرصود حالياً لصرف رواتب موظفي الإقليم.
وفي سياق متصل، أعلنت حكومة إقليم كردستان، الأحد، عن عقد اجتماع خاص برئاسة مسرور بارزاني، وبحضور قوباد طالباني، لبحث آخر الجهود ونتائج الحوار والمفاوضات مع الحكومة الاتحادية بشأن الرواتب والمستحقات المالية، واستئناف تصدير النفط من إقليم كردستان.
وأكد البيان الحكومي على تكثيف جميع الجهود مع الحكومة الاتحادية لحل هذه المسألة، مشيرًا إلى وجود “إجماع وموقف موحد لضمان صرف الرواتب والمستحقات المالية لشعب كردستان، والتي تُعد حقًا قانونيًا ودستوريًا للموظفين”.
ومساء السبت، أصدر المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني بيانا أعلن فيه منح الحكومة في بغداد “فرصة أخير” لإيجاد حلّ للقضايا العالقة بعد “تلقّيه وعود من الأطراف والشخصيات السياسية والحكومة العراقية الاتحادية بحل هذه المشكلة”.
وجاء في بيان صدر عن المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، مساء السبت، أن “الشخصيات والقوى السياسية في بغداد، إلى جانب الحكومة الاتحادية، تعهّدت بحل مسألة الرواتب والاستحقاقات خلال الأيام المقبلة”، وهو ما دفع الحزب إلى تعليق قرارات تصعيدية، وإعطاء “فرصة أخيرة” للحكومة، مراعاةً لما وصفه بـ”المصلحة العليا والظروف العامة”.
وذكر الحزب أنه “في سياق الأزمة القائمة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية العراقية بشأن حسم مسألة صرف الرواتب والموازنة والاستحقاقات المالية الخاصة بالإقليم، اجتمع (السبت) المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني لبحث الموقف اللازم اتخاذه”.
وأضاف أن “القيادي في الحزب، وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء العراقي فؤاد حسين، وبعد إجراء محادثات مع عدد من الأطراف السياسية العراقية، عاد اليوم إلى كردستان، وأبلغ المكتب السياسي للحزب بأن الشخصيات والقوى السياسية، إلى جانب الحكومة الاتحادية العراقية، قد تعهّدت بإيجاد حل لهذه الأزمة، وأكدت أن مسألة إرسال الرواتب والاستحقاقات المالية لإقليم كردستان سيتم حلها خلال الأيام القليلة القادمة”.
وتابع “بناءً على هذا التعهد، ومن منطلق الحرص على استمرار الحوار بهدوء، ومراعاةً للظروف العامة والمصلحة العليا، رأينا أن نمنح الحكومة الاتحادية العراقية في بغداد فرصة أخيرة من أجل إيجاد مخرج لهذه الأزمة”.
ولفت إلى أنه “كان ولا يزال إيماننا راسخا بأن الحوار هو السبيل الأفضل، وأنه من خلال الفهم المتبادل يمكننا حل جميع القضايا العالقة”.
ويعكس هذا التوجه من جانب إقليم كردستان، بفتح باب الحوار مجددا ومنح فرصة أخيرة، التزاما عميقا بالحلول الدستورية والسلمية، مع وضع مصالح شعب كردستان في المقام الأول. ويُعد هذا مؤشرا على رغبة القيادة الكردستانية في تجاوز التعقيدات السياسية والمالية، والتوصل إلى اتفاق دائم يضمن الاستقرار والازدهار لجميع الأطراف.
عن جريدة (العرب) لندن