مقالات رأي

لاريجاني المُخالِف.. للعبث الإيراني بلبنان ساطع نورالدين

 

 لم يكن الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع الإيراني علي لاريجاني، يوماً، من المعجبين بشبكة المليشيات العربية التي أقامتها بلاده في دول غربي آسيا، حسب التسمية الإيرانية لبلدان المشرق العربي. فالرجل الذي ينتمي الى جناح “الواقعية السياسية” في التيار المحافظ الذي يحكم إيران منذ نحو عشرين سنة، هو نتاج الدولة الإيرانية “العميقة” (والضعيفة)، وليس صنيعة مؤسسة “الحرس الثوري” المتحكمة بمفاصل الدولة الايرانية، والتي خاضت جميع المغامرات الخارجية طوال العقدين الماضيين، وعادت منها خائبة، مدمَّرة، ساهمت في تشديد الحصار على الشعب الإيراني، ووضعت النظام نفسه على حافة الانهيار في حرب الأيام ال12 الأميركية الإسرائيلية في حزيران يونيو الماضي.

زيارته الى بيروت كانت صدى لنقاش داخلي إيراني، حول كيفية الخروج من تلك الحرب ومحو آثارها باقل قدر ممكن من الخسائر. وُيحسب لاريجاني على الجناح المحافظ الذي يعترف بقساوة ضربة كادت تكون قاضية للنظام، وهو يميل طبعا الى استئناف المفاوضات النووية مع أميركا، والاقرار بان تجربة حزب الله قد أخفقت في تشكيل ورقة قوة إيرانية في تلك المفاوضات.. ويدعو الى تجديد العلاقات مع “غرب آسيا” العربية، من دون الاعتماد او المرور بالمليشيات، أي من دولة لدولة، على نحو ما فعل في بغداد، التي وقّع مع حكومتها اتفاقاً للتعاون الأمني والتنسيق السياسي، بمعزل عن الحشد الشعبي العراقي، الحليف الوثيق ل”الحرس”.

لكن الحافز الفعلي لزيارة بيروت، هو ذلك السيل الجارف الذي أطلقه عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، لا سيما منهم “ربيب الحرس” وزير الخارجية عباس عراقجي، و”ربيب المرشد” علي خامنئي، علي ولايتي، ورفضوا فيه قرار الدولة اللبنانية حصر السلاح بيدها، ودعوا الى مقاومته والمحافظة على قوة حزب الله، وحذروا من ظهور “جولاني” لبناني، مثل جولاني سوريا (الرئيس أحمد الشرع)… في ما يبدو انه تحريض إيراني على الفتنة المذهبية في لبنان، وتجديد لوظيفة الجبهة اللبنانية ودورها في مقاومة أميركا وإسرائيل، والتفاوض معهما. وفي ما بدا أنه توضيحٌ أو ردٌ على تلك الأصوات الإيرانية الخرقاء، عمد لاريجاني الى القول في بغداد، قبل وصوله الى بيروت، ان حزب الله ناضجٌ بما فيه الكفاية، ويعرف مصلحته ومصلحة لبنان وهو ليس بحاجة الى وصاية خارجية من أحد.

وكرر الموقف نفسه في العاصمة اللبنانية، لكن بصيغة مباشرة عندما أعلن أن الدولة الإيرانية تؤيد قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح، لكنها تنصح بان يتم تنفيذ هذا القرار بالتفاهم مع حزب الله، وليس بالتصادم معه.. مع التأكيد على أن إيران لا ترغب ولا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، لا سيما هذا الشأن بالذات. ومثل هذا الموقف ينسجم مع توجه رسمي إيراني، للتفاوض مع أميركا، وربما إسرائيل في مرحلة لاحقة، بدلا من البقاء رهينة المواجهة مع الغرب، وبدلا من الاتكال على مليشيات “غرب أسيوية”( عربية) كانت قد فقدت قدرتها على دعم إيران، قبل ان يشن الاميركيون والإسرائيليون حملتهم العسكرية الأعنف على العمق الإيراني.. التي انتهت الى حقيقة أن طهران لم يعد بمقدورها دعوة حلفائها السابقين الى الصمود وصون المقاومة، في الوقت الذي تبحث فيه ، أكثر من أي وقت مضى، عن خيار دبلوماسي للخروج من مأزق الصراع مع أميركا وإسرائيل.

تحدث لاريجاني في بيروت، بصوت العقل، الخافت، الذي لا يمثل أكثرية داخل المؤسسة الإيرانية الحاكمة، لكنه يشي بأن ثمة تغييراً يحصل في طهران، ودولتها العميقة، المهيضة الجناح، أمام هيمنة “الحرس” وسطوته على عملية صناعة القرار الإيراني، الذي يمكن أن يأخذ حساسية موازين القوى اللبناني في الاعتبار..من دون أي ضمانة بأن توليد الدولة اللبنانية سيكون هادئاً وطبيعياً، ومن دون كفالة بأن أصوات التحريض الإيرانية، ستصمت.

. بيروت في 14 / 8 /2025

صفحة الكاتب على منصة X

https://x.com/NSateh/status/1955887850060194029?s=19

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى