لا نجاة للمتخلفين عبد الهادي شلا *

في هذا المقال سننحو نحوا آخر بأن نتصور شخصا وقع تحت تأثير حالة نفسيه أقوى من أن يتحمل وقعها على نفسه فأغلق على نفسه حجرته.
فما هي الأفكار التي يمكن أن تدور في خلده رافضا التعامل مع الآخرين في زمن بات التواصل مع أقصى الأرض مجرد ضغطة على زر صغير في حاسوب بحجم كف اليد؟
سؤال سيراه الكثيرون غريبا!!
وستنهمرالردود من كل نوع بين متسائل وبين رافض الفكرة المجنونة واعتبارها شطحة نتجت عن موقف أو صدمة لهذا الشخص الذي قرر أن ينفصل عن العالم مكتفيا بملازمة سريره مرهقا وبالكاد تمتد يده لتلتقط علبة سجائره من عن المنضدة الملاصقة له ولم يفكر في صنع فنجان قهوة.
تشخيص مبدئي للحالة أنها ردة فعل لتراكم الضغوط اليومية التي قد يكون سببها عاطفيا أو اجتماعيا أو ماديا فهذه الأسباب كثيرة ولا يمكن الفصل بينها منفردة أو مجتمعة ولكن مقاومتها هي التي تحدد النتيجة النهائية لها كما في حالة هذا الذي قرر الانفصال عن العالم، فهل ينجح ويكتفي بقلة حيلته وضعفه؟!
سنتصور أن هذا الشخص بعد أن تراكمت عليه الهموم من كل نوع فهو يحاول التخلص منها بالتغافل عنها و تجاهل أسبابها بمقاومة رغبته في البحث عن حلول وهو محبط، فلم يجد أمامه سوى أربعة جدران صماء ونافذة صغيرة أوصدها قبل أن يقررالعزلة وأخذ يتأمل كل نتوء في الجدران ويتجول بين الصورالمعلقة ليقف متأملا تلك التي كان فيها يستلم قلادة الفوز في مؤتمر علمي وأخرى بين مجموعة من أقرانه من الناشطين اجتماعيا وأخرى..وأخرى، فامتدت يده لتلقي بتلك الصور على الأرض يدوسها بقدميه ساخطا لما تسرب إلى سمعه من بيت جاره في نشرة الأخبار حول الدمار الذي لم يتوقف وعن اؤلئك الذين لا يَكِلون في التنقل بين العواصم للاطلاع على آخر المستجدات التي لا تحتاج إلى بحث وهي حاضرة في كل دقيقة من البث الإخباري وتتناقله الوكالات والمراسلين بالصوت والصورة!
سَيُحدث نفسه في عزلته متسائلا عن معاني كثيرة لشعارات رفعها العالم تدعو إلى المحبة والسلام والتسامح بين الشعوب ولماذا كانت هي التي تسيطر على كل عناوين الأخبار مادامت غير ذات فائدة أم أنها كانت “مُخدِّرًا” لتهدأ الشعوب وتنتظر الوعود وتنفيذ القرارات التي لا تأتي؟!
وسنفترض أيضا أنه تبادر إلى ذهنه بأنه احد الذين تم استغفالهم ولهثوا وراء سراب ظن أنه حلمه الكبير وطموحه العالي الذي سيفضي إلى السلام والتسامح وإحقاق الحق.
العُزلة تصيب في أكثر حالاتها اؤلئك الأشخاص الأكثر حساسية وتعاطفا مع القضايا الإنسانية لذلك لو تلفتنا حولنا فإننا سنجد الكثيرين الذين آثروا الابتعاد عن المجتمع وانطووا في عزلة أحبوها وألفوا الحياة في عالمها بحثا عن الراحة وبعيدا عن ضجيج العالم المضطرب الذي لا تخلو فيه بقعة دون مصيبة من صنع الإنسان أو من سخط الطبيعة وكلها بنتائجها المدمرة تصيب هذا النوع من الأشخاص بإحباط يتراكم حتى يصل إلى حد الصدمة والجنون في بعض حالاتها.
هذا الشخص الذي صنعناه من خيالنا وتصورنا وجوده ليس بعيدا عنا فهو موجود في داخل كل واحد منا يكبر معنا ويتجول بعينيه وعقله فيما يجرى حوله ويحاول بقدر طاقته أن يكون إيجابيا ومعطاءً لإيمانه بأن الإنسان خلق ليعمل ويبني ويكتشف، فإذا ما خالفه حظه ووقف له بالمرصاد فإن ردة الفعل عنده ستكون كبيرة ومدمرة وأول المتضررين منها هو نفسه وجسده وعقله الذي لم يجد أمنياته تتحقق، وأن صفاء نفسه قد عكرته تلك الصور القبيحة التي تتغشاها بالصوت والصورة.
فليتأمل كل منا نفسه ويتجول في سراديبها وينقي ما علق بها من شوائب الحياة ومنغصاتها ويستخلص لنفسه أجمل صورالحياة ويشارك الآخرين الجهد الإنساني النبيل الذي يرقى بالروح والجسد ويمد الحياة بشريانها النقي فلن يكون مفيدا في زمن التقنيات العالية أن ينطوي شخص على نفسه ويغلق الأبواب مكتفيا بالتأمل في سقف حجرته المعتمة لأن الحياة تسير عكس مرتجاه فلا نجاة للمتخلفين..!!
- فنان تشكيلي فلسطيني من جيل الرواد وصحفي ناشر ورئيس تحرير جريدة (الصراحة)
- (من مقالات الطبعة الورقية)