لبنان تحت رحمة هلوسات ترامب ساطع نورالدين

أن يشارك الرئيس دونالد ترامب، ومعه نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، في اجتماع إجرائي، تنظيمي للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المرتقبة، يعني ان لبنان أصبح فعلا على جدول أعمال رئيس أميركا، من دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كانت نعمة قد حلّت على اللبنانيين، أم نقمة تشبه تلك التي حلت على دول وشعوب كثيرة في العالم سبقت وقعت تحت أنظار ترامب ولائحة اهتماماته، وتلقت وعوده بالسلام والبركة.. لكنها صارت الآن تأمل أن ينساها ويتجاهلها ويعتبرها غير موجودة على الخريطة.
بادرة الرئيس ترامب مفاجئة جداً ومربكة حقاً، حتى ولو دامت مشاركته الشخصية، في الاجتماع بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي، وسفيري أميركا في بيروت وتل ابيب، بضع دقائق في مكتبه البيضاوي، لأنها تتخطى جميع العروض المسرحية التي قدمها ترامب منذ أن انتخب رئيساً، وحولت البيت الأبيض الى سيرك، وجعلته مهرجاً يجمع فريقه لكي يصفق له ويغمره بالمديح، ويستمع الى نائبه ووزير خارجيته وهما يشيدان ب”تاريخية” خطوته المفاجئة.. التي لا يمكن ان تنسب الى تأثير اللوبي اللبناني في واشنطن، مثلها مثل أملاها اللوبي الإسرائيلي الذي صنع ولا يزال يصنع المعجزات في السياسة الأميركية.
نال لبنان من ذلك الاجتماع الرفيع المستوى في البيت الأبيض، تمديداً لوقف اطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهي أقل من الأربعين يوما التي طلبها وتمناها. لكن لا بأس، مزاج الرئيس لم يكن يسمح بأكثر من 21 يوماً، مرفقة بتكرار فكرته الخرقاء التي سبق ان طرحها قبل عشرة أيام، حول جمع “صديقيه” رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس جوزف عون، حتى بعدما فشل الاستعراض الأميركي أمس في تحديد زمان ومكان الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، كما كان مفترضاً.
حتى ولو جاز القول الشائع انه لا يمكن الحكم على أقوال ترامب بل على أفعاله، فإنه يصعب تجاهل حقيقة انه تراجع أمس عما قاله قبل عشرة أيام عن حظره أي قصف إسرائيلي للبنان، و”كفى يعني كفى”، وأجاز لإسرائيل ان ترد على الصواريخ التي تتعرض لها، لكن طبعا “بحذر” حسب تعبيره، أي من دون المس بالمدنيين والصحافيين.. وهو ما يمكن أن يعتبره الإسرائيليون تفويضاً جديداً باستئناف الحرب، لا يلزمها حتى بوقف هدم المنازل في الشريط الحدودي الجديد من جنوب لبنان، وغيرها من الاعتداءات التي لا تزال تغطي مساحة لبنان بالكامل.
وهي خطوة الى الوراء تُكسب فكرة جمع الرئيس عون ونتنياهو في لقاء مبكر ومباشر، المزيد من الجدية الاميركية، وتحولها كما يبدو حتى الآن الى شرط مسبق للشروع في جلسات التفاوض المفترضة، التي لم يطرح ترامب وفريقه موعدها وزمانها، في اجتماع البيت الأبيض، مع أنها كانت بنداً رئيسياً على جدول الاعمال اللبناني الإسرائيلي. ولعل من الجائز الافتراض ان نتنياهو فرض تأثيره الحاسم على ترامب وتمكن من حرف مبادرته اللبنانية عن مسارها الصحيح.. الذي كان يحتوي على ما هو أهم من لقاء برتوكولي مع الرئيس عون، سبق ان رفضه لبنان مثلما رفض فكرة الاتصال الهاتفي المباشر بين الرجلين.
لعله مجرد حكم خاطئ على أقوال ترامب، وترهاته التي لا تتوقف.
لكن المشكلة أن الخروج من هذا المأزق الذي وضع فيه لبنان، مستحيل فعلاً، وخطر الى ابعد الحدود.
دول كبرى في العالم تبذل جهوداً استثنائية لكي تتفادى الرئيس الأميركي وتهديداته وإساءاته وشتائمه الشخصية، الموجهة الى زعمائها.
فات الأوان على إختبار قدرة لبنان على مثل هذا الخيار، الذي فشلت إيران على سبيل المثال في اعتماده، وها هي اليوم تعيش أسوأ الكوابيس على الاطلاق.
بيروت في 24 / 4 / 2026
صفحة الكاتب على منصة X
https://x.com/i/status/2047563332597502293