لعلها صينية زكريا على الطريقة البغدادية! سهيل سامي نادر *

قال لي رياض قاسم : اليوم سنسكر مع أعذب وأغرب شخصيتين يمثلان الفشل العراقي العظيم السابق لفشلنا الصغير!
معرفتي برياض جعلني أخمن أنني إزاء سهرة مخبولة بالضحك والذكريات التي تقادمت حتى بدت مثل الطرفة. توقعت هذا ، ثم المزيد منه بعد أن سمعت باسم الشخصين. نسيت اسم البار، أما الشخصيتان فهما : هاشم الحكيم ويونس بحري!
الأول شيوعي قديم، أوصل أول مطبعة للحزب الشيوعي العراقي إلى بيتنا في البصرة عبر حزب تودة الإيراني. ولسبب أجهله جاءت مع المطبعة بعض الحروف الروسية البارزة المصنوعة من الرصاص، فذوبتها أمي في طاسة لإخفاء أصولها، فباتت كتلة من الرصاص الأصم، والغريب أن الطاسة برصاصها المذاب ظلت عندنا الى عام 1955 قبل التحاقنا بوالدي في لبنان.
قالت أمي التي تتذكر شخصية هاشم الروائية والمرحة: غريب أن تبقى هذه الطاسة عندنا كل هذا الزمن؟ لماذا لم أرمها؟ لا أدري؟ هل كانت ذكرى والدك وهاشم والمطبعة؟ لا أدري!
علمتها المصائب الصمت ونسيان التشعبات والتفاصيل.
الشخص الثاني نازي، هرب الى المانيا النازية وبات مذيعا في القسم العربي في إذاعة برلين وبرنامجه حي العرب. ما قربني إليه أنه صديق إسماعيل حسن ابن خالة والدي وعم المحامي والملحن علي عبد الرزاق حسن والصحفي ضياء حسن. وكان يعمل مهندساً في إذاعة قصر الزهور، هرب الى المانيا بعد موت الملك غازي في قصة نسيتها، وأصبح مواطناً المانيا وتوفي ودفن هناك في السبعينات من القرن الماضي.
إذا ما أضفت نفسي ورياض إلى هاتين الشخصيتين مع هذه التذكارات، فقد نشكل خلطة عراقية مباركة تشبه خلطة الدبس والراشي ، أو أقرب إلى صينية زكريا التي يحبها رياض قاسم من إعداد زوجتي أم ياسر. لوز وجوز وحب وحمص وسمسم ولهوم وخصلات من نبات الياس تخرج من فم إبريق فخاري صغير لإضافة الروحانية. أنا ورياض نحب المخلط. لا نحب اللون الواحد المدعو بالأصالة بالرغم من أصالتنا العراقية المنقوعة بماء الباجة. نحب النغولة بمفهومها الشعبي، بل نحبها حتى في اللغة والكتابة، بمعنى اللعب والتقطيع ونسيان البداية وتذكرها أثناء الخروج. إنها تقنية تلصيق وعدم إطالة.
لكن ما كنا نتوقعه من هذا اللقاء لم يظهر منه غير القليل. كانت ليلة خواطر عابرة. بل إنني خرجت من هذا اللقاء بشعور حزين من التضامن واليأس.
الاثنان، يونس بحري وهاشم الحكيم، بعمر متقارب، مغامران كبيران، الأول نازي وأفّاق كبير تلاحق سمعته أساطير لا تصدق، والثاني مناضل شيوعي جرّب سجون إيران والعراق. الاثنان خرجا من تجربتين مختلفتين على نحو جذري، لكنهما الآن على مائدة واحدة، مائدة الفشل العراقي الذي يوحد المختلفين (الأذكياء منهم فقط) ويوقظ بينهم موضوعية صغيرة قادرة على الغفران، وتفهم خيارات الآخرين، وعدم الندم احتراماً للذات، ثم المقدرة على الضحك من كل شيء سواء صدر عنهما أو جاء من العالم!
إنهما الآن يعرفان ما يريده رياض قاسم الذي يحثهما بحكايات بغدادية لا تنقطع عن الأطعمة والمذاقات والدرابين والنجارين والحدادين والفيترجية والخياطين والخبازين والمجانين وأصحاب الذوق في الشرب. لديهما نفس التجارب والذكريات لكن بسبب العمر واختلاف وجهات النظر والنسيان سيتناقضان في المرويات، ثم سرعان ما تغطيهما هذه المناسبة المتلونة براهنية رهيفة. لم تختف التناقضات بينهما بل تحولت إلى مزاح بلا مرارة. طعمها الآن حلو سكري بنكهة الينسون. وكنت أنتبه أنا الذي اعتدت الحذر من شرب الموائد الى تلك التناقضات فأراها ترفع رأسها بصعوبة مع كل قهقهة.
كل كلام عن الماضي في جلسة سكر فيه حلاوة. التلفيقات البغدادية هدفها زيادة المتعة!
يلوم هاشم الحكيم يونس بحري : ” يا حقير كنت من برلين تشتمني في إذاعتك النازية وتسميني هاشموف!”
يجيبه بحري: لكنك كنت هاشموف فلماذا تزعل؟ هل أنت هاشم الشيوعي؟ إذن أنت اوف مثل الموسكوفتش ومالنكوف!
ضحكنا. فيما بعد عندما استوعبنا أن هذا الحدث الخلافي جرى بين عامي 1941 و 1942 أي قبل ولادتي وولادة رياض قاسم بعام او عامين ندرك أن الحكيم والبحري بلا أحقاد، حولا جروح الماضي الى ضحك، في حين كان المجمع السياسي الشعبي الذي يحيطنا مليء بأشخاص يئنون من جروح سطحية من دون نسيان ولا مغفرة، وأحقادهم المتواصلة تجعل من جروحهم عقدة سرطانية.
كانت الروح البغدادية تعمل معنا، أشبه بحكاية تولد من حكاية سابقة، وهكذا حكاية تجر حكاية، بلا تقديم إيضاحات وتفسيرات أو استخدام حسجة ريفية رخيصة، بلا صراعات لا طائل منها. تلك هي روح بغداديات جواد سليم التي تطرد التاريخ منها وتقيم من المدينة منزلا!
(وأنا أكتب الان فكرت أنني لا أتذكر في أي عام حدثت جلسة الشرب هذه بينما أبطال هذه الحكاية يمتازون بذاكرة قوية. لو كان رياض حياً لكان أسعفني، فهو أشبه بهارد كومبيوتر دائم التخزين. لم أمتلك عادة التثبت. كانت لي عادة الشخص الطارئ في أي مكان أذهب إليه. هل هذا اعتراف سيء؟ فات الأوان على تغيير خصالي!)
كان هاشم الحكيم عضو في حزب تودة الإيراني، وكان خبيرا في الطباعة والتخفي والتنقل ما بين ايران والاتحاد السوفيتي والعراق منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. يسأله رياض قاسم عن أحداث في ايران، عن نسائها الجميلات، عن تودة الحزب والثورة. يمد هاشم يده الى كأسه ويفرغه في فمه ويقول:” لك أنا كنت أخرج من حبس الحكومة الى حبس الوكر السري الذي يضم المطبعة. لا أعرف أي شيء آخر”
يضحك يونس بحري ويقول: هو هذا العمى الذي عرفته فيكم!
لا يعير هاشم اهتماما لتعليق بحري. أظنهما اتفقا على موت ماضيهما من دون أن يبدوان خاسرين.
يستدير هاشم نحوي ويسألني عن العائلة ويمدح أخلاق والدي ووالدتي وكرمهما.
يلح رياض عليه أن يحدثه عن إيران . هاشم الذي قنن كفاياته ككادر محترف لا يتحدث عن ماضيه بطريقة الاعترافات الشخصية، أي بربط حادث شخصي بآخر، فكرة ثاوية خاصة جدا بأخرى ماثلة في تجاربنا اليومية. إنه لا يسعى، ولا يريد. كل شيء عنده أحيل إلى تاريخ آخر أكبر منه وأقفل حسابه. والآن هو هاشم، في سن الشيخوخة وما زال يشرب المخصوصي العراقي، لم يعد كل هذا التاريخ يعنيه. يونس بحري هو الآخر لم يتحدث عن ماضيه بل اكتفى بتعليقات مرحة، وأظنه تعب من سمعة ماضيه الذي يكاد يشبه الإشاعة.
يقول هاشم :” كان الرفاق الايرانيون يوفرون لي كل احتياجاتي في الوكر الذي لم أخرج منه لأكثر من سنتين. كنت آكل آب كوشت وأشرب مخصوصي .. هذه كفايتي. لا أريد أكثر. وكانت الحياة تمضي في الوكر وتمضي في الخارج!”
هناك شيء تراجيدي عراقي في تجربة هذا اللقاء: هذان شخصان هاربان دائما لا يفكران بالنسيان ولا يستخدمان الذاكرة بطريقة نفعية ولا تعني لهما الحياة الا لعبة حظ ولقد انتهى الجزء الاعظم منها على اية حال. إنهما مستسلمان لحظوظهما الباقية. هذا ما خرجت به. لعلي مخطئ. بيد أن اعتراف هاشم المثير كان قد أثار في نفسي تساؤلات عما يفعله الاختفاء والعمل السري الطويل بالمناضلين. إن عسف الانظمة يمد ذراعا شبحية الى داخل المنظمة السرية. امتدادات هذه الحالة في التجربة السياسية العراقية كانت كارثية. فالعيش في الخفاء والحياة السرية مع ثقافة ذات لون واحد يقوي الإحساس بالمطاردة والخوف والشعور بالاضطهاد، عندها يتعلم المرء إخفاء شخصيته الحقيقية. يختفي الأشخاص في أسرارهم نفسها، ولا يتعلمون من الحياة غير المضي الى هدف مصنوع بنسيج غير شخصي، فهو مركب ما بين الاديولوجيا الراكدة بلا اجتهاد فكري والعمل التنظيمي السري بمخاطره والعزلة التي يفرضها. كل شيء ضيق. بيد ان الحياة الرفاقية التي تماثل العائلة، وذكاء الشخص واهتماماته الشخصية الثقافية قد تفتح الحياة قليلا أو كثيراً .
لقد قرأت مذكرات بعض القادة المناضلين فوجدت فيها نقصاً شديداً في الحياة والأريحية، ورغبة في دفع الاخطاء عن كاهلهم ورميها على آخرين، والأصل أنني وجدت أنهم كما لو ولدوا كبار السن!
تسنى لي أن أتعرف في موقف خلف السدة على كادر شيوعي كان يقود تنظيماً مهماً سرياً، وقد ظل يختفى في أوكار سرية متنقلة منذ أن كان صبياً يافعاً. والحال كان قد انتقل مبكرا جدا من بطرياركية مجتمع عشائري شبه فلاحي الى بطرياركية سياسية تصدر الأوامر وتلح على السرية، لعله وجد في الثانية فكرة الهدف السامي والعائلة التي تحمي من أمراض الوحدة. كان إنساناً نبيلا وشريفاً متواضعا، لكنه ساذج بطريقة مخيفة ولا يعرف من الحياة غير ما كان مؤطرا بإطار كان يضيق باستمرار، وقد اعترف لي بأنه كان مشغولا دائما بأعمال تنظيمية بحيث لم يقرأ غير جريدة الحزب وتوجيهاته الداخلية وتحليلاته السياسية. التطورات السياسية لما بعد 8 شباط سحقت له ماضيه كله، وكان عليه أن يؤكد دائما على براءته وخروجه من هذا الماضي لكي يعيش ويعمل ويتزوج بعد أن تجاوز الخمسين. فيما بعد اعتقد أنه بات حرا من ماضيه السياسي وأن نظام بعث 1968 لم يعد يشق له صدره باحثا عن دوافع خفية، وفيما بعد ايضا، بلا اي مجهود من قبله، تقبل حرية جاءته من الخارج بواسطة الدبابات والوعود، فبدا أن كلا من ماضيه ونظام العسف رفعا عن كاهله، وأنه قادر الآن فقط أن يعيد تقييم نفسه وإمكاناته بوعي ويصبح شخصية اجتماعية مسؤولة وخدومة، فإذا بحثالات 2003 تغتاله بخسة!
إزاء هذه المروية الحزينة، اكشفنا بعد عام 2003 أن مناضلي الاحزاب الدينية كافأوا أنفسهم ليس بالخروح الى العلن وإعادة تعليمهم في فضاء جديد بل تحولوا إلى كواسج تبتلع موارد الدولة!
لو قرأني الآن رياض قاسم فهل سيعذرني بانتقالي ببضعة أسطر من سبعينات القرن الماضي الى القرن الواحد والعشرين، متوقفا عند حادث اغتيال صديقنا الحميم المشترك!
أعترف كانت أحاديثنا أنا ورياض قاسم وهاشم الحكيم ويونس بحري تجري على هذا النحو، ولقد نسيت الكثير من تفاصيلها الكلامية وانتقالاتها المرحة غير المعقولة. كنا الأربعة نصنع صينية زكريا من تلك التي نحبها بألوانها ومذاقاتها وروحها العائلية البغدادية!
- صحفي عراقي من جيل الرواد