لماذا يبدو التفريط بالمنجز السوري السابق سهلاً؟ رشا عمران

يصعب التعامل مع تحطيم تمثال الشهداء، الذي نفذه النحات السوري عبد الرحمن مؤقت قبل أربعين عاما، في ساحة سعد الله الجابري في حلب بوصف تحطيمه عملا عفويا جاء نتيجة خطأ في سحبه خلال محاولة نقله إلي مكان آخر.
يصعب التعامل مع هذه الذريعة لأسباب عديدة: أولها أن هناك جدلا سابقا كان قد حدث بما يخص التمثال نفسه، والجدل كان قد حدث على وسائل التواصل أيّد فيه المتطرفون فكرة تكسيره بوصفه صنما لا يجوز وجوده في دولة إسلامية مثل سوريا، وامتد الحديث عن باقي التماثيل المنتشرة في سوريا وضرورة تحطيمها كلها؛ كما أن جدلا آخر حدث سابقا حول التمثال بعد أن حصل أحد المستثمرين على امتياز (تطوير) ساحة سعد الله الجابري وقرر إزاحة التمثال من وسط الساحة ما أغضب أهل حلب يومها، فوعد المستثمر بنقله فقط إلى مكان آخر من الساحة. يضاف إلى ذلك ما انتشر من كلام كان يردده البعض في الشريط المصور لحظة وقوع التمثال والتكبير والتهليل لسقوط صنم يعبده المشركون. كل ذلك يجعل من الصعب التعامل مع سقوط التمثال وتحطيمه بوصفه خطأ نتج عن عملية نقل لم تكن صحيحة. إذ يعرف الجميع أن النصب هو عبارة عن مجموعة من التماثيل التي تحتاج إلى نقلها واحدا واحدا، كما أن نقل عمل فني كبير كهذا يحتاج إلى مختصين، فهل غفلت محافظة حلب والمستثمر له عن هذا أم تجاهلوا الأمر كي يحدث هذا الخطأ؟ هذا سؤال سوف يجيب عنه مصير التماثيل المشابهة المنتشرة في سوريا.
تغاضى كثر من مؤيدي الحكومة الجديدة عن سقوط التمثال بذريعة أنه عمل فني لا قيمة له متجاهلين أنه بات يشكل جزءا مهما من هوية مدينة مثل حلب، وأن أمر إزالته يجب أن يكون بقرار من وجهاء المدينة ومثقفيها وفنانيها لا بقرار محافظٍ ذي توجه أيديولوجي مضاد لكل أنواع الفنون، ولا بقرار مستثمر لا يرى في الفراغ العام غير فرصة للربح بدل أن يكون الفراغ العام هذا متاحا لعامة الناس ومخصصا لتعزيز الغطاء الأخضر والحدائق والنصب الجمالية كما في كل البلدان المتحضرة والمتقدمة. لكن يبدو أن شهوة الاستثمار والاستهلاك المغطاة بقيم دينية متزمتة هي الغالبة حاليا طالما هي من يملك السلطة؛ وهذا، بالمناسبة، يحتاج إلى تفكيك عميق من قبل مختصين وباحثين، أقصد العلاقة بين السلفية بوصفها استعادة لقيم غارقة في قدمها وتخلفها، وبين الاستهلاك بوصفه نموذجا مكثفا عما أنتجته الليبرالية الرأسمالية.
على أن أسوأ التبريرات والذرائع التي قُدمت في حادثة تحطيم تمثال الشهداء، هي أن هذا النصب يجب تدميره بالكامل لكونه منجزا أسديا، مع ترويج أن حافظ الأسد أمر الفنان عبد الرحمن مؤقت بتنفيذ هذا العمل ليكون نصبا يُذكّر بالشهداء الذين سقطوا على يد الإخوان المسلمين في بداية ثمانينيات القرن الماضي، لكنَ ابن الفنان وأصدقاءه نفوا هذا الأمر تماما وأكدوا أن التمثال هو نصب لشهداء الاستقلال عن الانتداب الفرنسي ولا علاقة له بغير ذلك. كما أكدوا أن الفنان الراحل كانت له مواقف مشرفة أثناء الثورة، قبل رحيله عام 2023 في تركيا، ونفذ العديد من الأعمال الفنية التي تصور الدمار والخراب الذي نتج عن إجرام النظام. ما يعني أن ذريعة أسدية الفنان هي مجرد تهمة يتم الاستعانة بها للانتقام من أي أحد أو لتدمير ما لا تريد له السلطة الجديدة البقاء لسبب أيديولوجي أو لسبب مرتبط بمصلحة اقتصادية أو استثمارية أو لفشل في التخطيط والإدارة أو لقصور في رؤية كيف تُحكم دولة ذات تاريخ عريق مثل سوريا. وفي الكل الحالات نحن أمام نمط من الحكم، إن استمر على ما هو عليه، فسوف يقضي على ما عجز نظام الأسد عن تدميره: عراقة التاريخ السوري المبنية على تراكم حضاري طويل يعزز قيمة الفنون والإبداع الفردي والجمعي وقيمة الجمال البصري والسمعي، وهو ما عجزت الاحتلالات والغزوات والاستبداد عن تدميره؛ لكنه اليوم يبدو قابلا للتدمير والفناء مع أيديولوجيا متطرفة تتكئ على دعم شعبوي من فئات واسعة، فتك الاستبداد الأسدي بها وبوعيها وبحسها الجمالي والحضاري وتُركت عرضة للتجهيل والتطرف الديني الذي يرى في الفن زندقة وكفرا مبينا.
دون شك فإن ذريعة (المنجز الأسدي) هي ذريعة سوف تطابق هوى كثير من السوريين حاليا، وسوف تلقى دعما كبيرا منهم، لكن هذا بحد ذاته يشكل خطرا كبيرا علي الهوية السورية التي سعى نظام الأسد طويلا لربطها به دون أن يتمكن من ذلك، فما المغزى إذاً من اعتبار أن كل ما حدث في زمن الأسدين يجب تدميره لأنه منجز أسدي؟ الا يكفي ما تم تدميره حتى الآن من سوريا وذاكرتها وبنيتها المجتمعية وبنية أفرادها النفسية؟ للأسف فإن التاريخ السوري الحديث قام وآل الأسد هم من يحكمون سوريا، ولكن ألم يتواطأ السوريون مع هذا الحكم؟ هل حكم آل الأسد أكثر من خمسين عاما من دون رضىً من غالبية السوريين؟ لا بأس فلنقل إن الخوف الذي عشش في المجتمع السوري منع السوريين من القيام بأي رد فعل معترض على الفساد والقمع والإقصاء والتهميش وكل مخلفات الاستبداد. لكن هل هذا منع السوريين من الإبداع والإنجاز على كافة الأصعدة؟ هل من المعقول أن نجير كل ما قدمه السوريون منذ منتصف القرن الماضي لآل الأسد وننسفه تماما؟ وهل إن فعلنا ذلك سوف نتمكن من بناء سوريا جديدة من الصفر؟ هل لدينا الإمكانات المادية واللوجستية لفعل ذلك؟ هل نمط الحكم الحالي، بما قدمه حتى الآن، قادر على البناء من الصفر ونحن نرى الفشل في كل شيء تقريبا لولا المبادرات الفردية، ولولا التراكم الذي قامت به بعض منظمات المجتمع الدولي خلال فترة الثورة والتي انضمت إلى مؤسسات الدولة مؤخرا. هل نهدم مبنى الإذاعة والتلفزيون؟ (تم إنجاز البناء بعد ثورة آذار)، هل نهدم دار الأوبرا والمكتبة الوطنية؟ هل نحرق مئات آلاف الكتب العظيمة التي أصدرتها وزارة الثقافة؟ هل نحرق اللوحات ودور العرض التي أنجزت في زمن الأسدين؟ هل نحرق المباني الحكومية؟ هل نحرق المستشفيات والمستوصفات والمدارس والجامعات؟ هل ندمر المنشآت السياحية والخدمية، الأسواق والمولات مثلا؟ هل ندمر ما تم ترميمه في سوق الحميدية ودمشق القديمة وسوق حلب القديم؟ هل نتلف آلاف بل عشرات آلاف الأغاني والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية والأفلام السينمائية؟ هل نمسح بممحاة التاريخ الإبداعي السوري في الفن والموسيقا والغناء والشعر والرواية والنقد الأدبي والتشكيل والنحت والتصوير الضوئي والترجمة والفلسفة والعلوم والطب؟ هل نهدم الجوامع التي بنيت في زمن حكم آل الأسد؟ سواء شئنا أم أبينا تشكل وعينا تحت حكم آل الأسد. ولم يكن وعي السوريين شيئا يمكن تجاهله؟ يعرف كل العرب أن الشعب السوري كان شعبا مثقفا وواعيا ومهتما بالسياسة والثقافة واللغة والتاريخ، ومعتزا بانتماءاته كلها دون انتقاص من أي انتماء سواء وطني أو قومي أو عرقي أو ديني! ماذا نفعل بكل ذلك؟ هل سنعتبره منجزا أسديا كله ونهد البلاد وقيمها ومؤسساتها وشوارعها وأبنيتها وإبداع أبنائها بذريعة آن هذا منجز أسدي؟ أم أن هذه الذريعة نقدمها حين تتناسب طردا مع ما فيه مصلحة شخصية لفرد أو لفئة أو لجماعة أو لسلطة أو لأي ما هو عابر للهوية الوطنية السورية؟
تؤسس الحضارات على ما سبق، ويبني أبناء البلد البلاد على ما أُسس سابقا. ينبذ منه ما هو نافر وما هو معطل للتقدم والإنجاز؛ أما الهدم الكامل فهذا سلاح يستخدمه المستوطنون والمحتلون، لم يكن بشار الأسد يشعر أن سوريا بلده بل كان يتعامل معها بوصفها مستعمرة له. لم يبال بحرقها وهدمها وهدم آثارها وأوابدها وتشريد ناسها وأهلها. هذه الذهنية كان ينبغي أن تنتهي مع لحظة تحرير سوريا من حكم الأسد، ولكن للأسف فإن كل ما يحدث الآن يشي بأننا لم نتمكن من التحرر من تلك الذهنية، نحن ما زلنا عالقين هناك، في تلك البؤرة الضيقة التي لا ترى أبعد من مصلحتها الشخصية، هل ما زال الأسد يحكمنا رغم رحيله؟ هذا سؤال علينا أن نسأله لأنفسنا كلما بررنا سلوكا خاطئا في الحكم أو بررنا الفساد وتسامحنا مع الفشل، كلما تمسكنا بما هو موجود بذريعة انعدام البدائل. الشعب السوري عظيم وفيه من الكوادر المؤهلة من يمكنهم بناء دول عظيمة، محزن أن نفرط بما لدينا تحت ذرائع واهية. هذا التفريط بكل شيء سوف يكتشف السوريون نتائجه الكارثية قريبا جدا. ثمة تجارب قريبة في التفريط بالمنجز الوطني وبالكوادر المؤهلة في دول قريبة وشقيقة ما زالت موجودة وشاهدة على نتائج هذا الخراب.
(تلفزيزن سوريا)