لم يعد الموت واعظا .. إلا للقليل من الناس! د. محمد سعد الدين *

يبدو الأمر غريبا بل لا يمكن ربما فهمه او تفسيره. يستثمر جل الناس في هذه الدنيا الفانية كل ما يستطيعون وزيادة وبكل الطرق المشروعة وغيرها وهم يعلمون كل العلم بل موقنون بانهم راحلون عنها عاجلا ام آجلا. يبدو المشهد مذهلا وجل الناس لا يتوقفون عن دفن احبائهم وتقديم العزاء لمحيطهم وترديد عبارات الوداع المؤلمة والتحسر بلا توقف بحرقة على رحيل من يعرفونهم على وسائل التواصل الاجتماعي قبل ان يعودوا الى اللهث خلف متاع الدنيا ونسيان مصيرهم المحتوم، بل اللجوء الى كل الاساليب الملتوية منها وغيرها لقضم ما يحتاجونه وزيادة وما لا يحتاجونه من زخرف الدنيا ومتاعها.
المشهد الغريب هذا يبدو مفسرا لمن فهم أسرار الدنيا وسبر اغوار الانسان، فالعلاقة بين حب الدنيا والاستثمار المبالغ فيها وبين تقبل الحقيقة الساطعة التي اتفقت عليها البشرية كلها بلا استثناء (حقيقة ان رحيل الانسان هو الثابت الاكبر والعامل المشترك بين كل البشر على اختلاف اديانهم واعراقهم وزمانهم)…هي علاقة متضادة عكسية فكلما زاد حب الدنيا ومتاعها في قلب المرء كلما رفض قبول ما تعنيه هذه الحقيقة وما يترتب عليه من التحضير لها نفسيا ودينيا ودنيويا وتسهيل تسليم الراية لخلفه معنويا وماديا.
رفض قبول هذه الحقيقة يدفع الانسان الى الاعتقاد بانه ربما (غير) مختلف عن الاخرين في مصيرهم دون قدرته على انكار الموت علنا، ولكنه يقنع نفسه ربما انه سيعيش طويلاً ويستمتع كثيرا قبل ان يلاحقه الموت البعيد او هكذا يعتقد.
لهذا كان المنهمك بالدنيا المنغمس في شهواتها المشروعة وغيرها والمنكب على غرورها هو من يغفل قلبه عن الموت حتى لو مر من قربه، واذا ذكر به نفر قلبه من الحديث عنه أو حول ذكره إلى قضية ثانوية وتفصيل صغير عابر أقل أهمية مثلا من نوعية طعام العزاء أو مكانه. بل ان مناسبة العزاء لديه اضحت مناسبة اجتماعية يتنافس فيها المعزون باللباس الانيق والطعام الوفير وربما يستغلونها لمناقشة أعمالهم التجارية والدنيوية مع المعزين بل يتباهون خلالها بقدرتهم المالية ومكانتهم الاجتماعية .!!
للموت هيبة يفترض انها تهز اكثر القلوب قسوة، لهذا كان قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه …(كفى بالموت واعظا) وهذا ما كان بالفعل لدى الاغلبية من العامة قبل ان ينكب جل الناس على عشق الدنيا والتمسك بها فاصبح الموت حدثا عابرا اقل أهمية ربما لدى الكثيرين من المناسبات الاجتماعية الأخرى بل إن خسارة فريقهم الكروي المفضل ربما تدعوهم إلى الحزن والتأثر والتحليل والتفكير أكثر من الموت وعبره العظيمة!!
لم يعد الموت واعظا ومؤثرا إلا لدى من مازال قلبه وعقله وبصيرته تتجه الى ما بعد هذه الدنيا الفانية وتنظر بعيدا إلى الدار الآخرة، وهم في زمان وسائل التواصل الاجتماعي والمباهاة بكل تفاصيل الحياة ..اضحوا أقل من الثلة القليلة.
- طبيب اخصائي من اسرة جريدة (البلاد)
- من مقالات الطبعة الورقية