ماكينة جدتي بانة القاسم *

هي تلك القطعة من الخردة التي لم تعد تصلح لأن تحوك أبسط الأشياء، أو حتى ترقع ذاكرة معطوبة من كثرة الاستعمال. ماكينة جدتي قطعة منها، رحلت هي، وتركتها لنا كأغلى إرث. كلما اقتربت منها سمعت صوتها الرتيب يلح في الاستمرار. حولها هالة هي مزيج من رائحة أثواب جدتي وعرقها الذي أحسه ما جف يوما،عنها وقهوتها الصباحية…
يوم غادر(الراحلون عن الوطن)، كما أحب أن اسميهم، كان على كل واحد منهم أن يختار أعز ما يملك ليحمله معه في رحلة سرمدية بدت قريبة العودة كما حلموا ولم تنته بعد، ولا حتى أحلامهم كفت عن التدفق. سارع الجميع إلى نقودهم ومجوهراتهم وكل ما خف وزنه وغلا ثمنه ليعينه على تكاليف السفر وبداية أخرى مرتبكة في مكان ما. جدتي سارعت إلى ماكينتها (سنجر)التي لم تكن قد سددت كل أقساطها بعد. وأقسمت أن تحملها معها حيثما تذهب ولن تغادر الأرض أبدا إلا وهي برفقتها وهذا ما كان.
انتقلت هذه القطعة من الوطن فلسطين ولبنان حتى استقرت في سوريا في بيت العائلة الكبير في حي المهاجرين، حيث كانت جدران البيوت المتلاصقة تسمع الصوت الرتيب يعلن العمل يوميا، فحالما تنهي جدتي إعداد طبختها وترتيب زرعاتها الممتدة في أرجاء البيت، كانت تتهادى باتجاه ماكينتها الصديقة لتبدأ معها نهارا فعالا يتمكن الجميع لاحقا من رؤية نتائجه بشكل عملي.
خاطت الأم ملابس أولادها وهي تحلم بالعيد الذي سيكون أحلى لو كان في حيفا. وصنعت من بقايا الأقمشة ملاءات وشراشف جميلة. لونت العالم الراكد حولها والذي كان سيكون ميتا لولا صوت ماكينتها الحبيبة. خاطت جدتي ملابس لنا وكانت تصنع لي ربطات شعر من بقايا أقمشة فساتينها مازلت احتفظ بواحدة منها ضمن ممتلكاتي المفضلة.
ماكينة جدتي قطعة من روحها، بل قطعة من روح وطن لم أره وإنما حلمت برؤيته… هي نظريتها العفوية في حق الوجود وحق العودة، هي فكرتها عن الاستمرار في حياة لم تكن هنيئة إلا بقدر تعلقها بها … بالحياة والمكنة … هي رمز من رموز الوطن بكل ما يحتمل من معنى … الماضي والدفء والإرث، والرحيل والعودة ومابينهما… هي دموع الجد الذي اكتشف فجأة أنه ضيع درب بيته ولم يعد يحسن العودة إلى الهدار(جبل في حيفا) …هي عمر الجدة الذي أمضته قربها تصنع يومها بعرق جبينها وتحوك ثوب العودة…هي شباب أخوالي وخالاتي الذين كستهم أجمل ما لبسوا وحملتهم أمانة الوفاء….هي أنا …ما حفر في ذاكرتي حفرا بإزميل الوقت (أن فلسطين لنا) وأن لنا بيتا ما زالت جدرانه تنادينا … وحيًّا سكانه أصحابنا وأحبابنا سيعودون معنا…هي فكرتي التي أحملها وشمًا على جبيني أن أكون كما أرادت لي جدتي…أحافظ على مبادئي ولا أهادن فيها أبدا…أن لا أطأطئ رأسي للقدر، ولا استسلم لظروف تكبل ما تبقى لي من حرية …هي هويتي ..اسمي، لون عينيّ، وشكل وجهي وفكرة ربيتها في نفسي حتى صارت أشجارا.
ماكينة جدتي تقبع اليوم في بيتي في دمشق، بعد أن رحلت الجدة وأخذت مِعها كل قصاصات الأقمشة وبقايا الحكايات وقصص الماضي…وضعتها في ركن عزيز من بيتي وبدأت أتعلم كيف تحوك الأم قصة خطيرة لأولادها قبل النوم تطالبهم فيها بصباح آخر…ارقدي قريرة العينين يا جدتي فحفيداتك الصغيرات فهمن الدرس باكرا وماكينتك الغالية ستعود معهن إلى حيفا يوما ما.
صحفية وكاتبة من اسرة جريدة البلاد – لندن اونتاريو –كندا
(من مقالات الطبعة الورقية )