فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (29) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية سلوى زكو… الكلمة التي قاومت الصمت ياس خضير البياتي

   

في سياق التاريخ الحديث للعراق، حيث تتداخل الحكايات بين التطلعات والآلام، تبرز الدكتورة سلوى زكو كواحدة من الصحفيات البارزات اللواتي احتفظن بالعراق في قلوبهن وكتبن عنه بحب وإدراك عميق.

امرأة عراقية قررت أن تحول الكتابة إلى سلاح، ولتجعل منها فعلاً وجوديًا، حيث كانت حياتها شهادةً على زمنٍ عسير لم يرحم أبناءه، لكنه لم يفلح في كسر إرادتها.

ولدت في الحلة عام 1934 لعائلة مسيحية من أصل موصلي، قضت طفولتها بين بساتين بعقوبة، ثم انتقلت بين مختلف مدن العراق، ما جعل ذاكرتها تتشكل كأسطورة تجمع بين الموصل والبصرة والنجف وكربلاء وكردستان والناصرية وبغداد.

تركت كل مدينة فيها آثارها، وكل نهر أو جبل أو بستان أصبح جزءًا من مشاعرها، حتى أصبحت حياتها وكأنها تعكس تاريخ وطن يتأرجح بين الأمل والخيبة.

في بداية شبابها، انطلقت الكتابة في داخلها كمصدر ينفجر من الصخر. كان أول عمود صحفي لها عبارة عن صرخة بريئة، ولكنه نشر سريعاً ليعلن بداية مسيرة غير تقليدية في الصحافة العراقية.

ولعلّ أكثر ما بدا غير مألوف آنذاك أنّها كانت امرأة؛ قلمٌ أنثويّ يشقّ طريقه بثبات في ساحة الكتابة الاحترافية، في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُحسب من ميراث الرجال وحدهم.

انتمت إلى جيل يعشق الشعر ويعتبره جزءاً أساسياً من الحياة، تحفظ مئات الأبيات للعبة المنافسات الشعرية في المدرسة. كان في بيتها مكتبة صغيرة، لكنها كانت بمثابة نافذة واسعة على العالم؛ قرأت فيها العديد من الكتب، بدءًا من التاريخ وعلم النفس إلى الأدب العالمي الذي أخذها إلى عوالم بعيدة، ومنحها فهماً أن الكتابة ليست مجرد مجموعة من الكلمات، بل هي عالم مليء بالمعاني.

عندما بلغت الواحدة والعشرين، كانت طالبة في عامها الأخير بالجامعة، أرسلت عموداً إلى جريدة البلاد عبر البريد، لتتفاجأ برؤية عمودها منشورًا بعد يومين. تبعت ذلك عمودان آخران، حتى أتى رئيس التحرير كمال بطي، كما تحكي، ليطلب منها كتابة عمود أسبوعي منتظم.

جلست أمام طاولته، وكتبت العمود بينما كان يراقبها، ثم قرأه ليبتسم ابتسامة واسعة ويقول: “كنا نعتقد أن هناك رجلاً مخفياً خلف اسمك”. كانت تلك اللحظة بمثابة بداية مسيرتها كصحفية حقيقية.

في جريدة البلاد، تعلمت معنى الصحافة كما تقول؛ أن تكتب تحت ضغط اللحظة، وأن تُحوّل التجارب الذاتية إلى نصوص تعبر عن الجميع. ثم انتقلت إلى وزارة الإعلام، حيث وُضعت في دائرة رقابة المطبوعات، ذلك الموطن الذي علمها أن الحرية ليست هبة بل يجب انتزاعها، وأن الصحافة هي تعبير عن موقف من الحياة.

قضت هناك أربع سنوات صقلت فيها وعيها وكشفت لها أن الكلمة يمكن أن تكون سجنًا أو طريقًا إلى الخلاص.

كانت الصحافة بالنسبة لها نافذة إلى السياسة، إلى مشكلات الناس وأفكارهم، و إدراك أن الكتابة هي فعل سياسي بحد ذاتها.

انضمت إلى رابطة المرأة العراقية، مما كان خطوة تجاه اليسار، نحو فكرة أن الحياة موقف، وأن تجاهل معاناة الآخرين يعتبر عدم مسؤولية أخلاقية.

هنا نضج وعيها، فاختارت الفكر الشيوعي عن قناعة، لأنها أدركت أن الحرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعدالة، وأن الكلمة مرتبطة بالموقف.

كتبت عن العراق كما يكتب المحب عن معشوقته، فقالت: “لم أعرف سواه، هذا العراق الذي أستطيع تمييز حدوده وسط غابة من الدول التي يقطعها نهران…”.

كانت كلماتها أكثر من مجرد وصفٍ جغرافي، بل كانت أنشودة وجدانية تتدفق بالحب والشوق، وتكشف عن عراق عميق الجذور في الروح.

تخرجت سلوى زكو من دار المعلمين العالية بتخصص اللغة الإنجليزية عام 1956، ثم انتقلت إلى موسكو في ستينات القرن الماضي، حيث درست الصحافة وأنجزت أطروحة دكتوراه بنجاح.

عادت إلى بغداد محملة بشهادة جديدة ووعي متجدد، لكن الأوضاع السياسية في العراق آنذاك حالت دون فتح أبواب الفرص لها.

في عام 1979، عانت نتيجة انتمائها للحزب الشيوعي حيث تعرضت للاعتقال، مما ترك أثراً عميقاً في نفسها، لكنها خرجت من تلك التجربة أكثر صموداً وإصراراً على أن الكلمة لا يمكن أن تُقيد.

ابتعدت عن مجال الصحافة حتى عام 2003، عندما عادت بشكل قوي لتتولى منصب رئيسة تحرير لصحيفتين رائدتين في بغداد، وأسهمت في تعزيز الثقافة العراقية من خلال إنتاج نصوص مسرحية، وقصص قصيرة، ومقالات فكرية تمت ترجمتها إلى عدة لغات.

لم تكن مجرد مهنية في عملها، بل كانت إنسانة ذات بعد روحي عميق. في علاقاتها، شكلت شبكة من الثقة والود، معتبراً الآخرين امتداداً لها، وكان لديها إيمان راسخ أن المثقف يكتمل فقط من خلال التواصل مع الناس.

أما أسلوبها في الكتابة، فتميز بالتعبير الصادق والفصاحة التي تتسم بالوعي، مقدمةً لغة تعكس نكهة العراق بكل تبايناته.

كانت رؤيتها الفلسفية للحياة والكتابة تستند إلى أن الكلمة تمثل فعلاً مقاومًا، وأن الكتابة تحمل مسؤولية أخلاقية توازي الأفعال السياسية والاجتماعية.

لم تكن مجرد صحفية، بل كانت ضميراً العراق المستيقظ تكتب من أعماق قلبها وليس بحبر القلم فقط.

تحولت كلماتها إلى صرخات من أجل الحرية، وجسور تربط بين الماضي المعذب والمستقبل المتطلع للأمل.

هي فعلاً الضمير الحي الذي يذكرنا بأن العراق ليس مجرد أرض أو حدود، بل هو شعور حي يتجسد في قصص أبنائه وبناته، وفي آمالهم وآلامهم، وفي مقاومتهم لكافة أشكال القمع.

في خطابها، يتحول الألم الفردي إلى قضية عامة، ويتسع الخاص ليعانق هموم المجتمع. فهي تقارب الموضوعات بعقلٍ قانونيٍّ رصين، لكن بروحٍ تنبض بالتعاطف، فتوازن بين صرامة الفكر ورقّة الشعور.

ومن خلال هذا المزج الفريد، تمنح كتاباتها بعداً أخلاقياً يضيء المعنى، ويؤكد أن المعرفة إن لم تتصل بالإنسان، تفقد جوهرها.

هي من أولئك الذين إذا أحبّوا أعطوا، وإذا رأوا حاجةً لبّوا، بلا حسابٍ ولا انتظار مقابل.

قلبها حنين بالفعل… حنينٌ يمشي على الأرض، ويتجسّد فعلاً قبل أن يكون قولاً.

واليوم، من موقعها في عمّان، تستمر كلمات د. سلوى زكو في تنبيه الوعي، مؤكدة على أن الحرية ليست هبة بل انتزاع.

حولت حياتها إلى نص مفتوح، وتجربتها إلى رواية تتجاوز الأفراد لتصبح ذاكرة جماعية.

ليست هذه مجرد سيرة ذاتية بل ملحمة إنسانية تستحق أن تروى، لتكون شاهداً على قدرة المرأة العراقية على أن تكون شعلة لا تنطفئ، وصوتًا يصدح ضد الصمت، ونورًا ينير طريق الأجيال المقبلة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى