فكر وفن

مبدعون في الذاكرة ( 35 ) اضاءة مهنية لا دراسة نقدية ليث الحمداني: من ضحكة الصحافة الساخرة إلى ذاكرة المنفى ياس خضير البياتي

ياس خضير البياتي

في أروقة الصحافة العراقية، حيث تتدفق الأقلام كأنها روافد لنهرٍ أكبر اسمه الذاكرة، يبرز اسم ليث الحمداني بوصفه تجربةً لا تُقرأ على نحوٍ خطي، بل تُفهم بوصفها تراكماً بين السخرية والمعرفة، بين خفة البدايات وثقل المآلات.

من الموصل، حيث التكوين الثقافي الأول، إلى بغداد، حيث النضج المهني واتساع التجربة، تشكّلت ملامح كاتبٍ لم يكتفِ بأن يكون شاهدًا، بل ساعيًا دائمًا إلى فهم ما يجري خلف الخبر.

وُلد الحمداني في 26/3/ 1948، في مرحلةٍ كان فيها العراق يعيش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، انعكست لاحقًا على وعيه المبكر وتشكيله الفكري. فقد نشأ في زمنٍ تتنازع فيه الأفكار، وتتصاعد فيه الأسئلة حول الهوية والحرية والعدالة، وهو ما جعله ميّالًا منذ بداياته إلى متابعة الشأن العام، لا بوصفه خبرًا عابرًا، بل قضية تستحق الفهم والتفكيك.

هذا التكوين المبكر، في بيئةٍ مشحونة بالأحداث، أسهم في صقل حسّه النقدي، ودفعه إلى اختيار مسارٍ صحفي يجمع بين السخرية الواعية والتحليل العميق، حيث لم تكن الكتابة لديه انعكاسًا للواقع فحسب، بل محاولة مستمرة لتفسيره وكشف طبقاته الخفية.

بدأت حكايته في منتصف الستينيات، حين خطا أولى خطواته في مجلة “الفكاهة” التي أصدرها الفنان الراحل حميد المحل. هناك، تعلّم كيف يمكن للسخرية أن تكون أداة وعي، لا مجرد وسيلة للضحك؛ سخرية تلتقط تفاصيل الحياة اليومية، وتحوّلها إلى نقدٍ مبطّن، قادر على قول ما تعجز عنه اللغة المباشرة.

ومن هذه البداية، تنقّل بين صحف ومجلات عدة، قبل أن يوسّع تجربته مراسلًا لمطبوعات كويتية ولبنانية، في خطوةٍ مبكرة منحته أفقًا عربيًا أرحب.

ومن بين ما يميّز تجربته تلك العلاقة الخاصة التي نسجها مع “الخبر” بوصفه كائنًا حيًا لا مجرد معلومة.

لم يكن يتعامل مع الحدث كواقعة تُنقل، بل كحكاية تُفهم، لها سياقها الخفي وظلالها الاجتماعية والنفسية.

لذلك، ظل منحازًا إلى التفاصيل الصغيرة التي يغفلها الآخرون، مؤمنًا بأن الحقيقة لا تسكن العناوين العريضة وحدها، بل تختبئ في الهامش، في صوت الناس البسطاء، وفي ما لا يُقال بقدر ما يُقال.

هذه النظرة جعلت كتاباته أقرب إلى “شهادة زمن” منها إلى مادة صحفية عابرة، إذ كان يسعى دائمًا إلى أن يترك خلفه نصًا يُقرأ بعد سنوات، لا خبرًا يُنسى في اليوم التالي.

في سبعينيات القرن الماضي، دخل مجالًا مختلفًا حين أسهم في تأسيس ما يمكن تسميته بالإعلام الصناعي، عبر مجلات مثل “عالم الصناعة” و“الصناعة”.

لم تكن هذه التجربة عابرة، بل جسّدت وعيًا مبكرًا بأهمية الربط بين الإعلام والتنمية، حتى أصبحت تلك المجلات مراجع علمية معتمدة في بعض الجامعات العراقية، وهو إنجاز نادر في بيئةٍ غالبًا ما تفصل بين الثقافة والإنتاج.

وفي محطةٍ لافتة من مسيرته، خاض ليث الحمداني تجربة العمل في وزارة الصناعة، حين تولّى إدارة إعلامها في فترةٍ حساسة من تاريخ العراق، عمل خلالها إلى جانب الوزير طارق حمد عبد الله، الذي انتهت حياته بشكل مأساوي عام 1986. كانت تلك المرحلة مشحونة بالتحولات السياسية والقلق المؤسسي، ما جعل من العمل الإعلامي داخل الوزارة مهمة تتجاوز حدود الترويج إلى محاولة خلق خطابٍ متوازن بين الواقع والطموح.

لم يتعامل الحمداني مع موقعه بوصفه وظيفة إدارية، بل كمسؤولية فكرية، ساعيًا إلى تقديم صورة مختلفة عن الصناعة العراقية، تُبرز بعدها التنموي ودورها في بناء الدولة.

وفي ظل تلك الأجواء المضطربة، اكتسب خبرةً عميقة في فهم العلاقة المعقدة بين الإعلام والسلطة، وبين الخطاب الرسمي والحقيقة، وهي تجربة تركت أثرًا واضحًا في مسيرته اللاحقة، حيث أصبح أكثر ميلًا إلى الاستقلالية، وأكثر حذرًا من الانزلاق نحو الخطاب الدعائي

ومع تحولات المشهد السياسي، شارك في تجربة جريدة “طريق الشعب” منذ عددها الصفري، متوليًا مسؤولية القسم الفني، حيث امتزج الحس الجمالي بالطرح الفكري، ليمنح الجريدة هوية بصرية ومهنية مميزة. ثم جاءت تجربته في إصدار جريدة “الاتحاد” في الثمانينيات، التي تحولت إلى منصة إعلامية لافتة، جمعت بين المهنية العالية وحضور أسماء بارزة من الكتّاب والصحفيين، مدعومة بملحقات نوعية مثل “الدنيا” و“الفلقة”، التي أضافت بعدًا ثقافيًا وساخرًا في آنٍ واحد.

كما أسهم في إصدار مجلة “الحضارة”، التي عكست توجهه نحو العمل الجماعي، وبناء فرق تحريرية قادرة على إنتاج محتوى متنوع، يجمع بين الرصانة والأسلوب الجذاب.

ولم يكن نشاطه مقتصرًا على المؤسسات الإعلامية، بل امتد إلى العمل النقابي، حيث انخرط في نقابة الصحفيين العراقيين، عضوًا في لجنتها المهنية، ثم عضوًا منتخبًا في مجلس إدارتها لدورتين متتاليتين كمرشح مستقل، مدافعًا عن استقلال المهنة في بيئةٍ مثقلة بالتجاذبات.

شارك في إعداد مشاريع قوانين مهنية تهدف إلى حماية الصحفي وتحسين أوضاعه، مثل قوانين المخصصات والحوافز، واضعًا تصورًا واضحًا لصحافةٍ تقوم على المهنية لا التبعية، وإن بقيت كثير من هذه المشاريع خارج حيّز التنفيذ، في مفارقةٍ تعكس تعقيد العلاقة بين الطموح والإرادة السياسية.

وفي تجربته اللاحقة، أصدر كتاب “أوراق من ذاكرة عراقية”، الذي لا يكتفي بسرد مسيرته، بل يقدّم شهادة حيّة عن تحولات الصحافة العراقية، متنقلًا بين محطاتها المختلفة، من السخرية إلى الاقتصاد، ومن العمل الميداني إلى الرؤية التحليلية. إنه كتاب يُقرأ بوصفه خلاصة تجربة، لا مجرد سيرة.

ومع انتقاله إلى كندا في منتصف التسعينيات، لم تنقطع صلته بالمشهد العراقي، بل أعاد إنتاج حضوره من موقعٍ جديد، عبر إصدار جريدة “البلاد” ومواصلة الكتابة والتحليل. ومن هذه المسافة، صاغ رؤية نقدية عميقة لمستقبل الصحافة في العراق، مؤكدًا أن إعادة بنائها تبدأ من ضمان استقلالها المهني، وتحريرها من الهيمنة السياسية، وإعادة تعريف دور النقابة بوصفها مظلةً تحمي الصحفي لا أداةً بيد القوى المتنفذة.

يرى الحمداني أن المهنة لا يمكن أن تنهض دون تشريعات واضحة تحمي الصحفي، وتمنع التدخلات الحكومية، وتفصل بين الإعلام والإعلان، وتضمن بيئة عمل مستقلة. كما يدعو إلى تبنّي نموذج اقتصادي واقعي للصحافة، يقوم على شراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يتيح لها الاستمرار والمنافسة في سوقٍ مفتوح.

وهكذا، تتبدى تجربة ليث الحمداني بوصفها سيرةً متعددة الطبقات؛ تبدأ من ضحكة ساخرة في مجلة، وتمتد إلى مشروعٍ فكري يسعى لإعادة تعريف الصحافة نفسها.

إنها رحلة قلمٍ لم يتوقف عند حدود المهنة، بل ظل يبحث عن معناها، في وطنٍ لم يتوقف عن التغيّر.

 

زر الذهاب إلى الأعلى