فكر وفن

مبدعون في الذاكرة ( 37 ) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية بشرى البستاني: امرأةٌ تكتب الوطن بالحبر والنار ياس خضير البياتي

ياس خضير البياتي

في مدينة تمتزج فيها الأصوات بالشعر، وتُشرق عليها من ضفاف دجلة كما ينهض الحرف من صفحته البيضاء، وُلدت بشرى البستاني في عام 1949 بمدينة الموصل، المعروفة باسم الحدباء، والتي يُطلق على قلبها لقب أم الربيعين.

هناك، في الأزقة التي تحتفظ بأصوات الخطوات كما تحفظ الدواوين أبياتها، فتحت عينيها على عالم من الفكر واللغة، فكان قدرها أن تكون ابنة الكلمة، وتصبح الكلمة هي ابنتها المدللة.نشأت في بيئة محافظة في الموصل، تعبر عن حبها للقيم الدينية والعربية الأصيلة، وتتمسك بالتقاليد كما يتمسك البحار بحبل النجاة. لكنَّ النبوغ، عندما ينبع من روح محبة للمعرفة، لا يعرف القيود.

أنهت دراستها الابتدائية والثانوية في الموصل، ثم اتجهت نحو العاصمة، حيث انضمت إلى قسم اللغة العربية في كلية التربية بجامعة بغداد، وتخرجت بمرتبة الشرف، عائدةً إلى مسقط رأسها كما تعود السنابل إلى حقولها، مليئةً بشغف اللغة وتوهج الطموح.

كان التعليم بالنسبة لها أكثر من مجرد وظيفة، بل كان رسالة تُعاش. بدأت معلمة للغة العربية، ثم استمرت في دراساتها العليا حتى نالت الماجستير والدكتوراه بتفوق، مع توصية بطبع أطروحاتها، لتبدأ التدريس الجامعي في كلية الآداب بجامعة الموصل، حيث أصبحت أستاذة للأدب والنقد، وعكست للطلبة كيف يرتبط العلم بالقيمة، وكيف يكون الفكر مرتبطًا بضمير الإنسانية.

حازت على لقب الأستاذية في عام 1998، ولقب الأستاذ الأول في جامعة الموصل عام 2000، لكنّ القيم الحقيقية تمثلت في احترام طلابها وفخر مدينتها بها. أشرفت على عدد من الرسائل الجامعية، ودرّست مواضيع متعددة في الشعر والنقد والسرد والحداثة، وكانت تؤمن بأن العلم بلا قيم يتحول إلى آلة صماء، وأن المعرفة إن لم تُروى بضمير حي تصبح وبالًا على مجتمعها.

تنتمي إلى عائلة عراقية عريقة من قبيلة طيء، المعروفة بنشاطها السياسي والاجتماعي، ودارت علاقاتها بصلة المصاهرة مع شخصيات فكرية وسياسية بارزة. لكن إنجازاتها الشخصية لم تنبع من نسبها أو ألقابها، بل من جهد مخلص، وصوت شعري صادق، وموقف وطني ثابت. إنها الشاعرة التي جعلت العراق في قلبها، وجعلت الموصل جرحها المفتوح وأملها المتجدد.

في دواوينها، يتألق الوطن كما تتألق النجوم في الليل الطويل. منذ مجموعتها الأولى “ما بعد الحزن” (صدر في بيروت عام 1973)، مرورًا بـ “الأغنية والسكين” و”أقبل كفّ العراق” و”مكابدات الشجر” و”أندلسيات لجروح العراق”، وحتى أعمالها في قصيدة النثر وخماسياتها الشعرية، ظلّ العراق يسري في نصوصها كما يسري الدم في الجسد.

كانت تقول: “يتغلغل حبك في قلبي كجذور شجرة صنوبر.”لذا، لم يعد الشعر بالنسبة لها مجرد أسلوب لفظي، بل كان تعبيرًا جريئًا، ولم يكن مجرد بكاء على الأطلال، بل عملاً مقاوماً للخراب واستنفار الروح.

يتميز أسلوبها الشعري بثراء لغوي يجمع بين صفاء التعبير وعمق المعنى، إذ تحيك قصائدها بخيوط من الفصاحة العربية التقليدية، وتمنحها وعيًا حديثًا يفتح النص أمام تفسيرات جديدة وإشارات متجددة.

لغتها مشحونة برموز قوية؛ تستند إلى الصور المجازية وتوظف الانزياح البلاغي كوسيلة للكشف وليس مجرد تزيين لفظي.

في شعرها، تتناغم الكلمات التراثية مع الإيقاعات الحياتية الحرة، مخلقة موسيقى داخلية خفية تتولد من تكرار المعاني وتنامي الصور، وليس من انتظام الوزن فحسب. وهي تميل إلى التكثيف واختصار الكلمات، حيث تحول الكلمة الواحدة إلى عالم عاطفي واسع، وتعيد توظيف الرموز كجسر بين تجربة الذات والألم الجماعي.

تتنوع شعريتها بين مشاعر قوية وتأملات عقلانية، حيث تتمثل قصائدها في فضاء يجمع بين العاطفة والوعي، وبين الصوت الفردي والضمير الجماعي.

تختلف لغتها بين الشفافية والجراح، لكنها تبقى في كل الأوقات تحمل نبرة صادقة وإحساس متأجج، ملتزمة بقيمة الإنسانية وكرامة المكان.

لم تقتصر مجهوداتها على الشعر فقط، بل أضافت إلى المكتبة العربية العديد من المؤلفات المتعلقة بالنقد والدراسات الأدبية، بدءًا من “دراسات في شعر المرأة العربية” وصولًا إلى “تحليل النص الشعري”، بالإضافة إلى كتب تتناول التداولية والسرد وتحولات ما بعد الحداثة. استطاعت أن تجمع بين الإبداع والنقد، فكانت تكتب القصيدة بعين الناقد وتفحص النص بروح الشاعر، مما جعل تجربتها مليئة بالتألق والإبداع.

شاركت بشغف في العديد من المؤتمرات العلمية والثقافية داخل العراق وخارجه، وكذلك في أوروبا، مثلت العراق بصورة المرأة المثقفة، وعبرت عن إيمانها بأن الحداثة تتطلب إعمال العقل، وأن نهضة المجتمع لا تتحقق إلا بدمج المرأة في بناء المعرفة. شاركت في حملات محو الأمية وعملت على تعزيز الوعي بحقوق المرأة، متحدثةً إليها قائلة: لا تنامي، فالمصباح يسقط إن غفوتِ.

عندما اجتاحت المحن مدينة الموصل، لم تكن متفرجة على الدمار، بل سعت لاستنكار الواقع، وكتبت بصوت متألم، تعبر عن حزنها لمدينتها كما تبكي الأم وليدها، لكن لم تستسلم. قالت: “لكل من يظن أن الموصل قد انتهت، أقول… ستظل شامخة وستعود أجمل مما كانت، بفضل جهود أبنائها وبناتها.”

تظهر هذه الجملة إيمانها العميق وأملها الذي يضيء ظلمات اليأس.

حازت على العديد من الأوسمة الخاصة بالعلم والإبداع، وتلقت جوائز وشهادات تقدير من مؤسسات عراقية وعربية، لكن تظل أجمل أوسمتها هي محبتها في قلوب طلابها وقرائها، وأثرها العميق في الثقافة العراقية.

تمت ترجمة قصائدها إلى عدة لغات، وصدر حول تجربتها العديد من الدراسات والأطاريح الجامعية، ما جعل شعرها يُعتبر نصًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية ويعبر عن جوهر المعاناة البشرية.

ليست بشرى البستاني مجرد نجم عابر في سماء الموصل، بل هي واحدة من الأقمار الدائمة لها.

اسمها مرتبط بالمدينة، وعندما تُذكر الموصل في أي محفل ثقافي، يظهر صورتها، وعندما يُذكر اسمها، تقوم الموصل بكل تاريخها وأوجاعها ومآثرها.

تُعتبر بستانًا خضراء كما يوحي اسمها، حيث تتدلى من أغصانها ثمار الشعر والنقد والفكر، وتنبعث منها رائحة العراق.

لا تبحث عن الأضواء، بل تمشي في ضوءها الداخلي، متواضعة كالنخلة، شامخة كالمئذنة، وقوية كحجر نينوى القديم.

قد يصعب علينا أن نوفيها حقها مهما كتبنا، فهي تجدِّدُ ماءً نقياً ينهل منه طلاب العلم، وذاكرة مدينة لا تنكسر، وصوت جلي يُعبر عن الحق، وإذا كتب مخلصًا، وإذا أحب، أحب العراق بأسره.

إنها بالفعل جوهرة من الموصل، وراية للإبداع العراقي لا تنحني.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى