فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (38) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية وداعًا… حين تغادر اللغةُ أحدَ حرّاسها الكبار مالك المطلبي: الناقد الذي علّمنا أن نقرأ ما لا يُقال ياس خضير البياتي

ياس خضير البياتي

في جنوب يهمس فيه الماء بأسراره ويخط تاريخ الأهوار على جدران القصب ومعزوفة الرياح، وُلد الدكتور مالك يوسف المطلبي في عام 1941 في قرية الحلفاية الواقعة في ناحية المشرح ضمن محافظة ميسان، كما لو أنه جاء من عمق اللغة بدلاً من أن ينتمي إلى مكان معين.

في هذه البقعة، حيث تلتقي الأسطورة بالطبيعة، نشأ في أسرة لم تكن تقليدية، بل كانت كياناً حياً من المعرفة، تتوارث حب الشعر كما يُورث الأنساب، إذ كان والده، الشاعر واللغوي يوسف المطلبي، أول معلم له وعبره تعرف على أسرار اللغة العربية.

أما أفراد أسرته، من شعراء ونقاد ومترجمين، فكانوا كأنهم نجوم تدور في مدار المعرفة، يقدمون له الإلهام الذي يثير في داخله أسئلة جديدة.

منذ البداية، لم يكن المطلبي مجرد طالب للغة، بل كان كائنا يجوب عوالم الكلمات وتساؤلات المعنى. انتقل إلى بغداد، المدينة التي ترى في الشعراء مثلما تشهد الضجيج، ليلتحق بكلية الآداب في قسم اللغة العربية، ثم رحل إلى القاهرة حيث توسعت مداركه، ليعود لاحقاً حاملاً دكتوراه من بغداد، لكنه لم يعد كما كان؛ بل بدا وكأن داخله سؤالاً عميقاً يتجاوز الشهادة: كيف يمكن أن تصبح اللغة وطناً في وقت تضيق فيه الأوطان؟

توجه إلى الشعر، متمردًا وثائرًا، يكتب وكأنما يعيد تشكيل الكون، وأصدر ديوانه الأول “سواحل الليل” عام 1965، حيث لم يكن الليل مجرد ظلام، بل فضاءً للكشف عن الأسرار، تلاه ديوان “الذي يأتي بعد الموت” و”جبال الثلاثاء”، حيث استحال الشعر لديه إلى تعبير وجودي، لم يكن فقط نابعًا من الذات، بل جاء كصراع مع العالم من حوله.

كانت قصائده جزءًا من موجة التحديث، ولكنه لم يكن تابعًا لها، بل صوب نحوها برؤية نقدية.

المفارقة التي ميزت مسيرته كانت لحظة اختياره الانسحاب من مجال الشعر… ليس عجزًا، بل كتعبير عن الاحتجاج.

أدرك أن القصيدة قد تسرق في زمن الخوف، وأن الحرية هي الشرط الأساسي، ومتى ما فقد هذا الشرط، تتحول الكتابة إلى وسيلة للتواطؤ. لذا، قرر أن يتوقف عن الكتابة الشعرية ويعبر بلغة جديدة: لغة النقد.

في عالم النقد، أصبح من شاعر ينسج النصوص إلى ناقد يحللها، فكتب حول اللغة والنحو، وفي بنية النصوص الشعرية والسردية.

كان من بين الأوائل في إدخال المنهج البنيوي إلى النقد الأدبي في العراق، ليس بوصفها صيحة عابرة، بل كوسيلة لفهم أعمق لمكونات النص.

في كتابه “الزمن واللغة”، لم يتناول الزمن كحيز مكاني صرف، بل كعنصر يوجد أثره في تركيب الجملة، وفي “السياب ونازك والبياتي”، لم يقارب الشعراء كأسماء فحسب، بل ككيانات لغوية تتحاور داخل النص.

كان يعلّم طلابه في كلية الفنون الجميلة وكأنما هو لا يقدم مجرد دروس، بل يفتح أمامهم آفاقاً جديدة.

لم يكن أستاذًا تقليديًا، بل ظاهرة فكرية، يتحرر من قيود الدرس إلى فسيح الأسئلة، حتى أصبح طلابه من رسامين ومخرجين وممثلين يحملون بصمته دون إدراك.

كان يُفصح لهم دون أن ينطق: “الفن ليس فقط فيما ترونه، بل فيما تدركونه”. لم يكن أسلوبه في الكتابة يتسم بالطابع الشعري التقليدي، بل كان أقرب إلى أسلوب اللغوي الذي يتمتع بفهم ناقد عميق.

ترتكز كتاباته على دقة المفاهيم والانضباط المنهجي، مع التركيز على البنية بدلاً من السطحيات. لا يكتفي بدراسة النصوص، بل يعمل على تحليلها إلى مستوياتها الأساسية، مكشفًا الروابط الخفية بين التركيب الدلالي والزمن اللغوي. لغته النقدية مركّزة، تميل إلى الاختصار، لكنها مليئة بالمصطلحات العلمية وتستند إلى معرفة واسعة في النحو واللسانيات الحديثة، مما جعل نصوصه تشبه “مختبرًا فكريًا” يُعيد تشكيل النصوص بدلاً من مجرد التأمل فيها.

في أبحاثه، وخاصة تلك المتعلقة بشعراء كالسياب ونازك والبياتي، لم يكن يتناول النصوص كتجارب شعورية فقط، بل اعتبرها أنظمة لغوية تتبع قوانين داخلية خاصة بها.

كان يسعى لنقل النقد من الطابع الانطباعي إلى منهجٍ واضح، ومن الذوق الشخصي إلى التحليل الدقيق، وهذا ما جعله من بين الأصوات التي ساهمت في تطوير الدرس النقدي واللغوي في العراق.

أما تجربته مع التلفزيون، فقد شكلت استمرارًا لهذا الوعي الأكاديمي.

أثناء كتابة السيناريو، كما في مشروع مسلسل “المتنبي”، لم يسعَ لتقديم نص سردي تقليدي، بل عمل على خلق خطاب بصري يحمل معرفة لغوية وتاريخية غنية. كان يتعامل مع الشخصيات كمادة يمكن تحليلها، ويعيد تشكيلها دراميًا وفق رؤى فكرية وليس فقط من خلال إعادة تجسيد أحداثها. لذا، اتسمت أعماله التلفزيونية بطابع ثقافي مميز، تجمع بين المعرفة والدراما، ساعية لرفع مستوى المتلقي من مجرد المشاهدة إلى الغوص في الفهم.

بذلك، تشكلت صورته كأستاذ لغة يركز على البنية، وناقد يسعى لتأسيس منهج، وكاتب يستخدم أدوات معرفية في مجال الصورة، متمسكًا بفكرة أن اللغة ليست مجرد وسيلة، بل هي جوهر الفكر وأداته الأساسية.

تجربته في الصحافة الثقافية لم تكن مجرد مشاركة عابرة في صفحات الجرائد، بل امتداد حي لمشروعه المعرفي في اللغة والنقد. منذ السبعينات، عندما بدأ الكتابة في الصحافة الثقافية، لم يدخلها كـ “كاتب عمود” تقليدي، بل كعقل نقدي يسعى لإعادة تشكيل الوعي الأدبي من داخل المنبر الصحفي ذاته.

كانت مقالاته تتميز بالعمق والتحليل، مما جعل الصفحات الثقافية بمثابة قاعات دراسية مفتوحة.

لم يُكتب لإرضاء العامة، بل كان يسعى لتطوير ذوقهم، ولم يكن ليهادن القارئ، بل دعاهم لمواجهة النصوص بأساليب جديدة. لذا، جاءت كتاباته محمّلة برحابة أكاديمية، لكنها تحتفظ بقدرتها على طرح الأسئلة، وكأنها تدرب القراء ليصبحوا نقادًا وليس مجرد متلقين.

في تلك المرحلة، في ظل حراك لافت للصحافة الثقافية العراقية، ساهم المطلبي في إدخال مفاهيم نقدية جديدة مستفيدًا من معرفته بالمدارس اللغوية والبنيوية، لتكون مقالاته جسرًا بين المعرفة الأكاديمية والفضاء العام.

فقد كتب في مجالات الشعر والسرد واللغة، ليس كموضوعات مستقلة، بل كشبكة متكاملة تتداخل فيها الدلالة مع البنية والتاريخ مع الخطاب.

من الجوانب البارزة في حضوره الصحفي أنه لم يسع لتحقيق “نجومية ثقافية”، بل ظل ملتزمًا بدور المثقف المتواضع الذي يعمل في العمق بدلاً من السطح.

كان حضوره قليل الضوضاء، ولكنه يحمل تأثيرًا عميقًا، يترك أثره في العقول وليس فقط في العناوين.

بهذه الطريقة، تحولت الصحافة الثقافية لدى المطلبي من مجرد منصة للنشر إلى فضاء للمفكر، ومن وسيلة تعبير إلى أداة نقدية، لتؤكد أن الكلمة، حتى لو كُتبت في صحيفة يومية، يمكن أن تحمل عبء المعرفة وقضية التساؤل، إذا ما كُتبت بعقل ناقد وروح مسؤولة. في مسيرة حياته، كما في إبداعاته الأدبية، تميز المطلبي بتوجهه بعيدًا عن الضجيج.

لم يكن يسعى إلى المناصب ولم تغره جاذبية السلطة، بل فضل أن “يهاجر إلى الداخل”، كما وصف ذلك، حاملاً معه قصائده غير المنشورة وطموحاته التي لم تتحقق.

كان يدرك أن أحيانًا يكون البقاء في صمت هو الطريق للنجاة، بدلاً من الرحيل.

ورغم صمته، لم يكن يوماً فراغًا، بل كان تعبيرًا عن ثراء داخلي. كان يضحك، لكن ضحكته كانت تحمل نغمة حزينة مكتومة، وكان يسخر، لكن سخرية لم تكن على الناس وإنما من عبثية العالم.

في عمق ذاته، كان شاعرًا مستمرًا في الكتابة لكن بشكليات جديدة.

تعرفت إلى المطلبي منذ السبعينيات في مقاهي الأدباء حيث كانت تُجرب الكلمات قبل أن تُدون، ثم توطدت علاقتي معه لاحقًا من خلال مجلة (فنون).

كان يناديني دائمًا بـ “أبو ياس”، وعندما كنت أصحح له الاسم، كان يبتسم ويقول ضاحكًا: “أحب أن أناديك بهذا الشكل”. كان هادئًا وسلسًا في حديثه، لكن عمقه يتجلى حين يتعلق الأمر بالسياسة، حيث كان يمنح ثقته بصعوبة، وإذا فعل، شعرت أن أمامك عقلًا يحسب كلماته بدقة التجربة.

وعندما قرأ كتابي “احتلال العقول” في عام 1989، نظر إليّ وقال بإعجاب حقيقي: “أنت مبدع في التعبير عما بين السطور”. كان خلوقًا ومشبعًا بروح قريبة، وكان يمتلك طرفة دافئة تقوم على تلك “الحسجة العمارية” التي تضفي على الضحك طابعًا مميزًا وتترك في الذاكرة أثرًا دائمًا.

إن الدكتور مالك المطلبي ليس مجرد اسم في تاريخ الأدب العراقي، بل يمثل تجربة متميزة في التحول: من الشعر إلى النقد، من التعبير الصاخب إلى التأمل العميق، ومن الانتماء إلى العزلة الحرة. هو نموذج للمثقف الذي أبى أن يكون مجرد صدى، بل اختار أن يكون تساؤلاً.

وهكذا، يبقى المطلبي—في حضوره وغيابه—شاهدًا على حقبة لم تكن سهلة، لكنها كافية لتثبت أن الكلمة، عندما تُكتب بصدق، تبقى خالدة… حتى لو اختارت أن تبقى صامتة.

ونحن نودّع آخر حراس اللغة الكبار، ندرك أن الغياب لا يُطفئ أثرهم، بل يترك اللغة أكثر وحدةً، وأشدَّ حاجةً إلى من يحرسها كما فعل.

تنويه

****

كانت هذه المقالة مُقرّرة أن تحمل الرقم (47) بدلًا من (38)، لكن الموت كان أسرع من الترتيب، فاختطف الصديق د. مالك المطلبي على حين غفلة، وهو الذي كان دائم الإشادة بما أكتبه ضمن سلسلة مبدعون في الذاكرة.

وكانت آخر مكالمة بيني وبينه قبل شهرٍ فقط… كأنها كانت وداعًا مؤجلًا لم ندركه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى