مبدعون في الذاكرة (44) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية هاشم حسن التميمي: الصحفي المشاكس الذي جعل المعارضة أسلوب حياة ياس خضير البياتي


ياس خضير البياتي
في صباحات ديالى الأولى، حيث يختلط ضوء الشمس برائحة الطين، ويمضي الناس إلى يومهم ببساطة تشبه صفاء النهر، وُلد هاشم حسن التميمي عام 1955، دون أن يدري أن هذا الطفل سيكبر ليحمل في داخله ضجيج الأسئلة أكثر مما يحمل هدوء الإجابات.
كانت الحياة آنذاك قاسية في ظاهرها، شحيحة في مواردها، لكنها غنية بذلك الشيء الخفي الذي يصنع الرجال: الشغف.
كبر هاشم في زمنٍ كان فيه الكتاب نافذة، لا مجرد ورق، وكان الفكر مغامرة، لا ترفًا. وحين وصل إلى بغداد في منتصف السبعينات، ليدخل قسم الإعلام في كلية الآداب (1974–1978)، لم يكن طالبًا عادياً.
كان أشبه بريحٍ لا تستقر، أو فكرةٍ تبحث عن شكلها الأخير. جلس في القاعات، نعم، لكنه لم يكتفِ بما يُقال. كان يناقش، يعترض، يفتح الأبواب المغلقة، ويختبر صبر أساتذته بأسئلة لا تنتهي.
في تلك السنوات، كانت الفلسفات تعصف بعقول الشباب، وكانت التيارات الفكرية تتدافع كأمواج بحرٍ لا يهدأ.
وهناك، في قلب تلك العاصفة، كان هاشم يصارع الأفكار واحدةً تلو الأخرى، يقلبها، يختبرها، ويخرج منها بما يغذي عقله المتعطش.
لم ينتمِ إلى فكرةٍ واحدة، بل ظلّ عابرًا بين الأفكار، باحثًا عن جوهرها، عن حقيقتها، عن قدرتها على تفسير هذا العالم المعقد.
ومنذ خطواته الأولى، لم ينتظر أن يصبح صحفيًا رسميًا. بدأ الكتابة وهو ما يزال في الصف الأول، وكأن الكلمة كانت قدره المبكر.
نشر مقالاته في صحيفة “الجمهورية”، ثم انتقل إلى “الثورة”، وهناك، في أروقة العمل الصحفي، تعلّم ما لا يمكن أن تمنحه الكتب: رائحة الخبر، نبض الميدان، وتلك اللحظة التي يتحول فيها الحدث إلى معنى.
لم يختر الطريق السهل. اختار أن يكون مراسلًا حربيًا، أن يذهب إلى حيث الخطر، حيث الحقيقة عارية من التجميل. كان يرى أن الصحافة لا تُكتب من خلف المكاتب، بل تُنتزع من قلب الواقع.
هذه التجربة لم تكن مجرد عمل، بل كانت مدرسة كاملة، حتى أصبحت لاحقًا موضوع رسالته للماجستير عام 1988، التي جاءت مشبعة برائحة الميدان، لا جفاف التنظير.
ثم جاءت الدكتوراه عام 1996، لكن هاشم لم يتحول إلى أكاديمي تقليدي.
لم يخلع عنه جلد الصحفي، ولم يهادن. ظلّ ذلك المشاكس الذي يرى في كل يقينٍ احتمالًا للخطأ، وفي كل نظريةٍ بابًا للنقاش. كان يؤمن أن المعرفة لا تُمتلك، بل تُلاحَق.
وحين اعتلى موقع عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد، لم يكن ذلك تتويجًا بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة من العطاء.
هناك، لم يجلس خلف مكتب الإدارة، بل نزل إلى تفاصيل المؤسسة. سعى إلى تحديث المناهج، إدخال مفاهيم جديدة تواكب الثورة الرقمية، وبناء بيئة تدريبية حقيقية. افتُتحت مختبرات ذكية، واستوديوهات تصوير، ومجمعات تدريب مهني، لتصبح الكلية مساحة حيّة، لا مجرد قاعات جامدة.
كان يرى في طلبته امتدادًا له، لا مجرد أجيال لاحقة. نقل إليهم خبرة امتدت لنحو نصف قرن، بكل ما فيها من نجاحات وانكسارات.
لم يعلّمهم كيف يكتبون فقط، بل كيف يفكرون، كيف يشكّون، وكيف يدافعون عن حقهم في قول الحقيقة.
ورغم كل هذا، بقي ذلك الشاب الذي لا يهدأ. ظلّ مشاكسًا، جريئًا، لا يخشى المواجهة. دافع عن حرية الصحافة باعتبارها “فوق الخط الأحمر”، لا يمكن التنازل عنها.
دخل المعتقل أكثر من مرة، لأنه لم يقبل أن تكون الكلمة مقيّدة.
كان يؤمن أن الصحفي الحقيقي يدفع ثمن صوته، وأن الصمت، أحيانًا، هو الخيانة الوحيدة التي لا تُغتفر.
في الثمانينات والتسعينات، ثم بعد 2003، ظلّ صوته حاضرًا. لم تغيّره التحولات السياسية، ولم تروّضه المناصب.
بقي ناقدًا، يهاجم الفساد، يفضح المحاصصة، ويقف في وجه كل محاولة لتقييد العمل الصحفي. حتى في زمن الديمقراطية، كان معارضًا… يعارض المعارضة نفسها إن انحرفت عن مبادئها.
كتب مؤلفات عديدة في تحرير الأخبار، وعلوم الإعلام، والتحقيق الصحفي، وشارك في عشرات الندوات والمؤتمرات، وأسهم في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، مشجعًا طلبته على الاستمرار في البحث والتفكير. وكان له دور بارز في مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي، حيث ساهم في مشاريع تطويرية، منها تحديث الطباعة، وتأسيس معهد للتدريب الإعلامي، والحفاظ على الأرشيف السينمائي من الضياع.
لكن كل هذه الإنجازات، على كثرتها، لا تختصره. لأن في جوهره، ليس منصبًا ولا لقبًا. هو حالة. هو ذلك الإنسان الذي بدأ من الفقر، من شظف العيش، من واقعٍ لم يكن يمنح الكثير، لكنه أصرّ أن يأخذ منه أكثر مما يُعطى.
واجه الحياة بصبرٍ نادر، وصارع الزمن دون أن ينكسر. مرّ بمراحل قاسية، ربما لا يتمنى أحد أن يمر بها، لكنه خرج منها أكثر صلابة.
لم يكن النجاح عنده صدفة، بل نتيجة مغامرات، ومخاطر، وخيارات صعبة.لا يزال يؤمن أن المعرفة بحر، وأنه لم يصل إلى شاطئه بعد.
في حياته الاجتماعية، لم يكن هاشم حسن التميمي شخصية سهلة القراءة من النظرة الأولى. فبعض من يلتقيه للمرة الأولى قد يراه متوتّرًا أو حادّ الطباع، وربما يفسّرون مشاكساته الفكرية ومداخلاته الجريئة على أنها نوع من الصرامة أو الانفعال. لكن هذه الصورة السطحية سرعان ما تتبدد عند الاقتراب منه أكثر.
فخلف تلك الجدية العالية، يختبئ رجل بسيط بطبعه، هادئ في عمقه الإنساني، يحمل قلبًا طيبًا لا يظهر بسهولة في لحظات الجدل والنقاش.
هو من أولئك الذين يفصلون بين صرامة الموقف ودفء الإنسان؛ شديد الجدية حين يتعلق الأمر بالفكر والمبدأ، لكنه في العلاقات اليومية متواضع، قريب من الناس، لا يتكلف في حديثه ولا في تعامله.
لذلك ظلّ لمن يعرفه عن قرب صورة مختلفة تمامًا: إنسانًا صادقًا، وفيًّا، وجادًا إلى حدّ كبير، لكنه في الوقت نفسه يحمل روحًا إنسانية تجعل حضوره محببًا رغم حدّته الظاهرة.
وأتذكر في هذا السياق موقفًا يكشف جانبًا مهمًا من شخصيته؛ فقد وقع خلاف مهني بينه وبين أحد زملائه، وتناول ذلك الزميل الموضوع في مقال اتسم ببعض القسوة في النقد الشخصي.
وعندما تواصلت معه آنذاك، متوقعًا ردّ فعل حاد أو انفعال، كان جوابه مختلفًا تمامًا عما يظنه البعض. قال بهدوء الواثق: “قدّم له اعتذاري”، في إشارة واضحة إلى أن الخلاف، مهما اشتدّ أو طال، لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو قطيعة إنسانية.
كانت تلك العبارة البسيطة في لفظها، العميقة في معناها، كاشفة عن طبيعته الحقيقية؛ رجل يضع حدودًا دقيقة بين العمل والعلاقات، بين النقد والموقف، وبين الاختلاف والعداء.
وهكذا، رغم ما قد يبدو عليه من مشاكسة في الرأي وصلابة في الطرح، يبقى في جوهره إنسانًا يميل إلى التسامح، ويحترم الآخر حتى في ذروة الخلاف، ويؤمن أن الكلمة قد تُقال بحدّة، لكنها لا ينبغي أن تجرح إنسانية صاحبها.
وفي النهاية، يبقى هاشم حسن التميمي أكثر من مجرد صحفي أو أكاديمي. هو حكاية جيل، وصوت مرحلة، ودليل حيّ على أن الإنسان، مهما كانت بداياته متواضعة، قادر أن يصنع مجده… إذا امتلك الشغف، وواجه الحياة بقلبٍ لا يعرف الانحناء.