مبدعون في الذاكرة ( 58 ) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية مها البياتي.. سيدة الحكاية التي عبرت الصحافة من باب الإنسان ياس خضير البياتي


ياس خضير البياتي
حين يُكتب تاريخ الصحافة العراقية بأسماء الذين جعلوا من المهنة رسالةً لا وظيفة، ومن الكلمة حياةً لا مهنة عابرة، يبرز اسم مها البياتي بوصفه واحداً من الأسماء التي تركت أثرها الهادئ والعميق في الذاكرة الثقافية والإعلامية العراقية.
فهي من ذلك الجيل الذي لم يتعامل مع الصحافة باعتبارها طريقاً إلى الشهرة، بل باعتبارها انحيازاً دائماً للإنسان، وإصغاءً متواصلاً لحكايات الناس وهمومهم وأحلامهم الصغيرة والكبيرة.
وُلدت في بغداد عام 1952، في مدينة الأعظمية التي كانت آنذاك واحدة من أكثر مناطق بغداد حيويةً وثراءً ثقافياً واجتماعياً. هناك، على ضفاف دجلة، تشكلت ملامح طفولتها الأولى، واختزنت ذاكرتها أصوات الباعة، ونداءات المراكب، وأحاديث المقاهي، ودفء البيوت البغدادية القديمة.
عاشت خمس سنواتٍ من طفولتها في كركوك، مدينة الأقليات والجمال، حيث تتجاور اللغات كما تتجاور القلوب، وحيث تعلّمت منذ نعومة أظفارها أن الاختلاف ثراء لا عبء.
في تلك المدينة التي تتنفس التاريخ وتتشكل من فسيفساء البشر، فتحت عينيها على عالمٍ أوسع من حدود العمر.
كان والدها يعمل مترجمًا وإداريًا في شركة نفط العراق، ورجلًا شغوفًا بالصحف، يلتقط منها أخبار العالم كما يلتقط المعاني من بين السطور، فكانت الجريدة نافذتها الأولى إلى المعرفة، ومنها تعلّمت القراءة قبل أن تطأ قدماها عتبة المدرسة.
غير أن للعائلة حكاية أخرى مثقلة بثمن المواقف؛ فقد كان شقيق والدها عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، فدفعت العائلة ثمن ذلك انتماءً لا يُرى، لكنه يُحسّ في تفاصيل الحياة اليومية.
نشأت في زمن كانت فيه بغداد مدينة مفتوحة على الثقافة والفنون والصحافة والأدب، فوجدت نفسها مبكراً منجذبة إلى عالم الكلمة والصورة والخبر.
ولم يكن غريباً أن تختار دراسة الصحافة في كلية الآداب، لتحصل عام 1974 على شهادة البكالوريوس في الصحافة، وتبدأ رحلة طويلة مع واحدة من أكثر المهن صعوبةً وجمالاً في الوقت نفسه.
مارستُ العمل الصحفي وهي طالبة في المرحلة الأولى، عام 1970 في مجلتي والمزمار و 1972: في مجلة الإذاعة والتلفزيون.
منذ خطواتها الأولى أدركت أن الصحافة ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية وإنسانية.
ولذلك لم تكتفِ بمتابعة الأحداث، بل كانت تبحث دائماً عن الإنسان المختبئ خلف الحدث، وعن التفاصيل التي تغيب عن العناوين الكبيرة.
كانت تؤمن أن الحكاية الحقيقية تبدأ من الناس، وأن الصحفي الناجح هو الذي يستطيع أن يمنح صوته لمن لا صوت لهم.
تنقلت بين عدد كبير من المؤسسات الصحفية والإعلامية العراقية، فعملت في مجلتي المزمار ومجلتي، ثم في مجلة الإذاعة والتلفزيون التي أصبحت لاحقاً مجلة فنون، كما كتبت في صحف ومجلات عراقية بارزة مثل التآخي والجمهورية وملحق تموز وطريق الشعب والطابع العربي والنهضة.
وكان هذا التنقل بين المنابر الإعلامية المختلفة دليلاً على حيوية تجربتها وقدرتها على التكيف مع أنماط متعددة من الكتابة الصحفية والثقافية.
في عالم الصحافة المكتوبة، لمع اسمها من خلال التحقيقات الصحفية التي امتازت بالدقة والجرأة والاقتراب من الواقع الاجتماعي.
لكنها لم تتوقف عند حدود التحقيق، بل خاضت تجربة المقالة والعمود الصحفي والزوايا الثقافية، ونجحت في أن تخلق لنفسها أسلوباً خاصاً يجمع بين البساطة والعمق، وبين السرد الصحفي واللمسة الأدبية.
ومن أبرز محطاتها الصحفية زاوية “حكاية هذا الشريط” التي كانت أقرب إلى نافذة تطل منها على ذاكرة الفن والثقافة والحياة.
ففي هذه الزاوية لم تكن تكتفي بوصف الصورة أو استعادة الحدث، بل كانت تعيد بناء الحكاية الإنسانية الكامنة خلفه، وكأنها تفتش دائماً عن الروح المختبئة وراء التفاصيل.
أما في الإعلام المرئي، فقد قدمت تجربة مختلفة من خلال برنامج “مرحباً يا أطفال” الذي احتل مكانة خاصة في ذاكرة أجيال عراقية عديدة.
ففي هذا البرنامج لم تكن تخاطب الأطفال بوصفهم متلقين صغاراً فحسب، بل كانت تتعامل معهم بوصفهم عالماً كاملاً يستحق الاحترام والفهم.
وقد استطاعت أن تجمع بين المعرفة والتربية والمتعة، وأن تقدم نموذجاً للإعلام التربوي الهادف الذي يترك أثراً بعيد المدى في الوجدان.
على امتداد مسيرتها المهنية نالت العديد من الجوائز وشهادات التقدير وكتب الشكر من مؤسسات عراقية عديدة، بينها وزارة الإعلام ووزارة الداخلية واتحاد الأدباء ونقابة الصحفيين العراقيين وتجمع الإعلاميات العراقيات.
غير أن أهم الجوائز بالنسبة لها ربما كانت تلك المكانة التي احتلتها في قلوب زملائها وقرائها وكل من تابع تجربتها عبر السنين.
ومثل كثير من أبناء جيلها، عاشت تجربة المنفى والاغتراب. فقد تنقلت بين بغداد والولايات المتحدة الأمريكية، حاملةً معها ذاكرة مدينة لا تغادر القلب مهما ابتعدت المسافات.
كانت تحمل الوطن في حقيبتها، وتحمل الأعظمية في صوتها، وتحمل بغداد في كل حكاية ترويها. ولم يكن الاغتراب بالنسبة لها مجرد انتقال جغرافي، بل اختباراً إنسانياً قاسياً بين واجبات العائلة وأعباء الأمومة وحنين لا ينقطع إلى الأزقة الأولى والوجوه القديمة.
في سيرتها تتقاطع حكاية المرأة مع حكاية الصحفية، وحكاية الأم مع حكاية المثقفة، وحكاية الوطن مع حكاية المنفى.
ولهذا تبدو حياتها أشبه برواية عراقية طويلة تتجاور فيها الفصول المضيئة مع لحظات التعب والصبر والانتظار. لكنها ظلت، رغم كل التحولات، وفية للكلمة، وفية للناس، وفية لبغداد التي خرجت منها ذات يوم ولم تغادرها أبداً.
تعرفتُ إليها في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين كنا نعمل معاً في مجلة الإذاعة والتلفزيون التي كان يرأس تحريرها آنذاك الصحفي المعروف زهير الدجيلي. كنا نلتقي يومياً في قسم التحقيقات الصحفية، بينما كنت أحرر زاوية “قالوا وقلنا”، وكانت مها يومها تمثل نموذجاً للصحفية الشابة المجتهدة التي تجمع بين التواضع المهني والجدية في العمل.
لم تكن من أولئك الذين يبحثون عن الظهور أو الأضواء، بل كانت تؤمن بأن قيمة الصحفي تقاس بما ينجزه من عمل وما يتركه من أثر في القارئ.
ومن أكثر الذكريات رسوخاً في الذاكرة ذلك التحقيق الصحفي الكبير الذي أنجزناه معاً عن دخول التلفزيون الملون إلى العراق، وهو الحدث الذي كان آنذاك حديث الشارع العراقي ومصدر دهشة الناس وفضولهم.
خصصت المجلة لذلك التحقيق غلافها الأول بالألوان، في خطوة كانت تُعد جديدة ومميزة في الصحافة العراقية آنذاك، كما امتد التحقيق على أربع صفحات كاملة، حافلة بالمعلومات والصور والمتابعات الميدانية.
وقد لقي التحقيق أصداءً واسعة بين القراء والمسؤولين، حتى أن رئيس التحرير زهير الدجيلي كان يشعر بقدر كبير من الاعتزاز والفخر .
خلال العمل على ذلك الملف، اكتشفت فيها صفات الصحفي الحقيقي؛ كانت متعاونة إلى أبعد الحدود، تمتلك روح المبادرة، وتتحرك بنشاط ودقة لجمع المعلومات ومتابعة التفاصيل، وتؤمن بأن نجاح العمل الصحفي هو ثمرة جهد جماعي لا بطولة فردية. لذلك لم يكن مستغرباً أن تحظى بمحبة زملائها واحترامهم، وأن تترك في نفوس من عملوا معها انطباعاً جميلاً بقي ملازماً لها طوال مسيرتها المهنية الطويلة.
ضربت مها في الوسط الصحفي مثالًا نادرًا للوفاء لزوجها المبدع مؤيّد نعمة، رسّام الكاريكاتير المعروف عراقيًا وعربيًا، والذي رحل وهو ما يزال في ريعان شبابه.
فقد عاشت مها على ذكراه، تحرس إرثه الفني بحبّ لا يبهت، وأعادت نشر الكثير من رسوماته في كتاب جمع خلاصة إبداعه.
ولم تكن هناك ندوة ثقافية تحضرها إلا ويكون مؤيّد حاضرًا معها، نجمًا يتلألأ في حديثها، وفي قلبها قبل كلماتها. كانت عاشقة… وكانت وفية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لقد كانت واحدة من الوجوه المهنية الهادئة التي صنعت حضورها بالكفاءة والاجتهاد، لا بالضجيج، وتركت بصمتها في الصحافة العراقية من خلال عمل دؤوب وإيمان عميق بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة.
إن الحديث عن مها البياتي ليس حديثاً عن صحفية كتبت في صحف ومجلات عديدة فحسب، بل عن امرأة جعلت من الصحافة شكلاً من أشكال الحب، ومن الكتابة وسيلة لحفظ الذاكرة، ومن الإصغاء للناس رسالة عمر كاملة.
ولهذا يبقى اسمها واحداً من الأسماء التي أسهمت في صناعة المشهد الإعلامي والثقافي العراقي، وواحداً من الأصوات النسائية التي كتبت حضورها بجدارة في سجل الصحافة العراقية الحديثة.