فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (59) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية عماد آل جلال… سيرةُ صحفيٍ حمل العراق بين أصابعه ياس خضير البياتي

ياس خضير البياتي

في الأزمنة التي كانت فيها الصحافة العراقية تُشبه المعارك النبيلة، وحين كانت رائحة الحبر تُشبه رائحة الوطن، وُلد عماد حميد مجيد آل جلال ليكون ابنًا طبيعيًا لعائلةٍ عاشت داخل دهاليز الكلمة، وداخل ذاكرة العراق الإعلامية منذ وقتٍ مبكر.

لم تكن الصحافة بالنسبة له مهنةً اختارها لاحقًا، بل قدرًا ورثه مثل ملامح الوجه، ومثل ذلك الشغف الغامض الذي يدفع الإنسان لأن يطارد الحقيقة ولو أتعبته.

كان والده، حميد مجيد آل جلال، واحدًا من أوائل الصحفيين العراقيين، يحمل هوية نقابة الصحفيين العراقية برقم (125) والموقعة من الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.

عمل في جريدة “التايمس” بنسختها العراقية، ثم في المؤسسة العامة للصحافة، والإذاعة والتلفزيون، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى جريدتي الثورة والجمهورية.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يكبر الطفل عماد وسط أكوام الجرائد، وأصوات نشرات الأخبار، ودفاتر القصاصات الصحفية، كأن البيت نفسه كان غرفة تحرير صغيرة تتنفس الورق والكلمات.

ولد عام 1952، في عراقٍ كان لا يزال يحتفظ بوهجه الثقافي وهيبة الدولة وبريق المثقف. وفي بغداد الستينيات، المدينة التي كانت تضج بالمقاهي الأدبية والصالونات الثقافية وصخب النقاشات الفكرية، بدأت ملامح شخصيته تتشكل بهدوء.

انتقلت العائلة من الأعظمية إلى مدينة الحرية، وهناك كانت البيئة الشعبية تمنحه صورة أخرى عن العراق؛ عراق البسطاء، والباعة، والقراء المتخفين خلف محال صغيرة وأرصفة مزدحمة بالحياة.

في تلك السنوات، لم تكن القراءة هواية عابرة بالنسبة إليه، بل اكتشافًا مبكرًا للعالم.

كان والده يعود إلى المنزل محمّلًا بالصحف والمجلات والكتب، بينما كان جارهم البسيط في مدينة الحرية يعيره روايات جرجي زيدان، ويسأله بعد كل قراءة عن رأيه بما قرأ.

هكذا تعلم الطفل أن القراءة ليست استهلاكًا للكلمات، بل حوارًا مع الأفكار والتاريخ والخيال.

قرأ لجرجي زيدان، وطه حسين، ونجيب محفوظ، والعقاد، ويوسف السباعي، ومحمد محمود عبد الحليم، وتأثر بذلك المزج بين السرد والتاريخ، وبين الفكر والحياة. ومنذ وقت مبكر، بدأ يشعر أن الكلمة يمكن أن تكون وطنًا بديلًا حين تضيق الأوطان.

دخل عالم الصحافة شابًا قبل أن يكتمل وعيه الأكاديمي، لكنه دخله بثقة من يعرف الطريق جيدًا.

ففي تموز 1970 عمل مصححًا في جريدة الثورة العراقية، وهناك تعرّف على قسوة المهنة ودقتها. كانت الصحافة آنذاك مدرسة صارمة؛ الحرف فيها يُحاسب، والخبر يُصاغ بعناية، والصحفي الحقيقي يُصنع بالصبر لا بالشهرة السريعة.

انتقل بعدها إلى جريدة التآخي، التي تحولت لاحقًا إلى جريدة “العراق”، وهناك بدأت شخصيته المهنية تتبلور بوضوح.

عمل في قسم المحليات، ثم في القسم السياسي، قبل أن يتولى رئاسة القسم السياسي وسكرتارية التحرير.

وفي تلك المرحلة كتب أول مقال سياسي له عن البرتغال، وكان يشعر وهو يراه منشورًا للمرة الأولى أن اسمه بدأ يخرج من الظل إلى الضوء.

لكن آل جلال لم يكتفِ بالتجربة المحلية، فشدّ الرحال إلى لبنان، البلد الذي كان آنذاك مختبرًا عربيًا للصحافة والفكر والثقافة. التحق بكلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، وتخرج فيها ضمن دفعة 1976 – 1977، كما حصل على دبلوم المعهد القومي للصحفيين العرب.

في بيروت، المدينة التي كانت تُشبه جريدة مفتوحة على العالم، اختبر معنى الصحافة العربية الحديثة. حضر محاضرات لكبار الصحفيين العرب، وتأثر كثيرًا بمحاضرة الصحفي اللبناني ميشال أبو جودة، حين تحدث ببساطة عن كيفية استلهامه لأفكاره اليومية من أحاديث والدته وتعليقاتها على الأحداث.

يومها أدرك عماد أن الصحافة الحقيقية ليست خطابًا متعاليًا، بل قدرة على الإصغاء للناس البسطاء والتعبير عن نبضهم.

عاد إلى العراق أكثر نضجًا واتساعًا، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل الإعلامي الطويل. عمل في صحف الثورة، والتآخي، والعراق، والجمهورية، والقادسية، ومجلة حراس الوطن، ثم أصبح سكرتير تحرير جريدة الجمهورية بين عامي 1979 و1991، وهي واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ العراق الحديث.

في تلك السنوات، كان العراق يعيش الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، وكانت الصحافة تتحرك وسط مساحة ضيقة من الحرية وكثير من الضغوط.

ومع ذلك، ظل يكتب بعين الصحفي الذي يحاول التقاط تفاصيل الإنسان العراقي وسط ضجيج السياسة والحرب.

كتب المقال السياسي والاجتماعي والثقافي والفني، وأجرى عشرات الحوارات مع شخصيات عراقية وعربية بارزة.

لم يكن أسير زاوية واحدة، بل كان يرى الإعلام مساحة واسعة تتقاطع فيها السياسة مع الفن، والثقافة مع المجتمع، والإنسان مع يومياته البسيطة.

اقترب كثيرًا من الوسط الفني العراقي والعربي، وحاور أسماء تركت أثرًا في ذاكرة الفن والثقافة، من بينهم خليل شوقي، وقاسم الملاك، وسامي قفطان، وفؤاد سالم، وياس خضر، وسعدون جابر، إضافة إلى فنانين عرب مثل كرم مطاوع، وسهير المرشدي، وصلاح السعدني، ولبلبة، وفريد شوقي، وسناء جميل، وأسامة أنور عكاشة.

كان يرى في الفن مرآة للمجتمع، وفي الأغنية والمسرح جزءًا من ذاكرة الناس، لذلك كتب عن الفن بوعي المثقف لا بعين الصحفي العابر.

لم تكن علاقته بالإذاعة والتلفزيون أقل عمقًا من علاقته بالصحافة المكتوبة. فقد أعدّ برنامج “حول العالم” لإذاعة العراق في الثمانينيات، وهو برنامج يومي احتاج إلى متابعة دقيقة للأحداث الدولية.

كما شارك في إعداد تقارير وبرامج تلفزيونية وإذاعية متعددة، وأقام علاقات واسعة مع أبرز الإعلاميين العراقيين، مثل مؤيد البدري، وغازي فيصل، وخالد ناجي، وسامي محمد، وغيرهم من رموز الإعلام العراقي.

وفي عام 1991 أسس “مؤسسة البركة الإعلامية”، التي تحولت إلى فضاء ثقافي وإعلامي للإنتاج والنشر والإعلان.

ومن خلالها أشرف على إصدار صحف ومجلات متعددة، أبرزها جريدة الهلال، ومجلة طب وصيدلة، فضلًا عن طباعة وتصميم كتب ثقافية وفكرية لعدد من الكتّاب العراقيين.

ولأن الثقافة بالنسبة له كانت مشروع حياة لا وظيفة، ظل حاضرًا في الندوات والصالونات الثقافية، حتى أصبح مستشارًا ثقافيًا لنادي العلوية الاجتماعي، ونائبًا لرئيس لجنته الثقافية، ومديرًا للعديد من الندوات الفكرية والثقافية.

كما تولّى رئاسة رابطة التطوير الإعلامي في العراق منذ تأسيسها عام 2014، واضعًا ضمن أهدافها تطوير الخطاب الإعلامي، ورفع مهارات طلبة الإعلام، وترسيخ قيم المهنية والوعي الوطني، في زمن أصبحت فيه الفوضى الإعلامية تهدد المعنى الحقيقي للصحافة.

لم يكن آل جلال صحفيًا تقليديًا يكتفي بالخبر، بل كان صاحب مشروع فكري يرى أن الإعلام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنة. ولذلك كتب عشرات الأعمدة الصحفية التي تابعها القرّاء بشغف، مثل “وصايا الحبر”، و”حروف بقلم رصاص”، و”أنا ونمتار”، حيث امتزجت السخرية بالتأمل، والنقد بالحنين، والحكمة بمرارة الواقع العراقي.

شارك في مؤتمرات عربية ودولية عديدة، من بينها القمة العربية في الرباط عام 1982، ومؤتمر إعلام دول عدم الانحياز في القاهرة عام 1985، ومثّل الصحافة العراقية في محافل عربية مختلفة، حاملًا صورة الصحفي العراقي الذي بقي واقفًا رغم العواصف.

كما نال العديد من الجوائز والدروع التقديرية من مراكز بحوث ومؤسسات ثقافية واجتماعية، تقديرًا لمسيرته الطويلة وإسهاماته في الصحافة والثقافة العراقية.

أصدر كتابه “ومضات لسطور مؤجلة”، ثم كتاب “شيطنة العقول.. قراءة في تحديات الرقمنة والذكاء الاصطناعي”، فيما ينتظر صدور كتابه الجديد “كنت هناك”، وهو عنوان يبدو وكأنه خلاصة حياته كلها؛ فقد كان هناك فعلًا… في قلب الصحافة العراقية، وفي ذاكرة الثقافة، وفي تفاصيل التحولات الكبرى التي عاشها العراق على مدى عقود.

إن الحديث عن عماد آل جلال ليس حديثًا عن صحفيٍ تنقّل بين الصحف والمجلات فحسب، بل عن جيل كامل آمن أن الكلمة يمكن أن تكون موقفًا، وأن الصحافة ليست وسيلة للنجاة الشخصية، بل محاولة دائمة للدفاع عن المعنى والحقيقة والإنسان.

لقد عاش الرجل عمره بين الحبر والورق، لكنه لم يكن مجرد شاهد على الأحداث، بل كان جزءًا من ذاكرة العراق الإعلامية والثقافية؛ ذاكرة ما زالت تؤمن أن الصحافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأخبار المنشورة، بل بقدرتها على البقاء حيّة في وجدان الناس.

 

زر الذهاب إلى الأعلى