فكر وفن

مجلة “الأقلام”  العراقية تحاور الكاتب والصحفي الرائد سهيل سامي نادر  حول تجربته الروائية

 

مجلة “الأقلام”  العراقية تحاور الكاتب والصحفي الرائد سهيل سامي نادر  حول تجربته الروائية

  • في الصحافة تجتمع النصوص وتلتقي وتتفرع. وأنا في الأصل عامل في الصحافة.
  • ولدت رواية “التل” على الحافات القلقة بين عامي 2002 – 2003 ، وطبعت قبل شهر من الحرب

نشرت مجلة “الأقلام”  العراقية حواراَ  مع الكاتب والصحفي الرائد سهيل سامي نادر  أجراه الناقد حمزة عليوي بشان تجربة  سهيل الروائية، ضمن ملف عن الرواية العراقية،  (فكر وفن) تعيد نشر الحوار فيما يلي :

سهيل سامي نادر كاتب مختلف وأساسي، بل واستثنائي على كل الأصعدة في سياقات بلاد كانت ظروفها، وماتزال استثنائية بعناد لا حدود، مثل العراق. “سهيل سامي” المولود عام 1943 في عائلة ذات تاريخ سياسي معروف بإشكالاته الكبرى؛ فأبوه “سامي نادر” هو أحد المؤسسين التاريخيين للحزب الشيوعي العراقي. هذه الواقعة الأولية، ربما، كانت وراء ما أسماه “نادر” نفسه بـ سوء حظ”، وهو السردية الأساسية التي عبرت عن الكاتب المتفرد “سهيل سامي نادر”، مثلما اختارها لتعبر، بدورها، عن نفسه. لكن “سوء الحظ” لم يكن قدرا شخصيا فحسب، إنما هو “قدر” بلاد كاملة كان لها أن “تنقلب” على ذاتها مرارا وتكرارا. فهل صار “سوء حظ” الكاتب مسوَّغا! سيرة الكاتب سهيل سامير نادر تجيبنا بـ”كلا”، بل و”ألف” كلا؛ فهي تحكي لنا وتجيب، مفصلا، عن “كيفية” تحوُّل “التميِّز” إلى “لعنة” و”سوء حظ” قدري.

الأصل أن الكاتب “سهيل سامي نادر” هو صحفي عُرف بمهاراته وقدراته المميزة. وهو، أيضا، الناقد الفني المختص بالفن التشكيلي، كتابه “الخشن والناعم/ ” بجزأيه تعبير بليغ عن تفكير “نادر” بالفن التشكيلي العراقي بتياراته وتوجهاته المختلفة. وقريب منه أن الكاتب “سهيل سامي” قد عُرف بكتابة السيرة الفنية، كما في كتابه “شاكر حسن آل سعيد.. سيرة فنية وفكرية/”. وهو كذلك “ناقد” جذري للشخصية العراقية كما في كتابه الشهير “المريض العراقي.. سلالم نازلة إلى الإخفاق السياسي الكبير/ 2016“.

لكن روايته الأولى المتميزة “التل/ 2003” قد أعادت تقديمه للوسط الثقافي العراقي والعربي بوصفه كاتب رواية ذا براعة ومقدرة جعلت “نقادـ”ـا عراقيين مختلفي الاتجاهات والميول يحتفون بها، حتى أن مؤرخا من طراز الدكتور عبد الإله أحمد قد صنَّفها رواية خامسة في تاريخ الرواية العراقية. هذا النجاح المتميز كان، ربما، وراء تأخُّره في إصدار روايته الثانية “حي 14 تموز/ 2023″، ثم أصدر روايتين قصيرتين في كتاب واحد حمل عنوان “الريفيرا العربي وحمَّى النجمة/ 2024”. وقبلها عمد إلى جمع مقالاته النحت العراقي وأخرى عن الآثار وبعض المقالات النقدية في الرواية والقصة العراقية، فكان كتابه “نزولا من عتبات البيت/ 2020“.

في هذا الحوار الموسع تفتح هيأة تحرير مجلة “الأقلام” نوافذها كلها للكاتب “سهيل سامي نادر”، تاركة له أن يروي لنا قصصه كلها وإجاباته المختلفة عن أسئلتنا.

كيف يتسنى للكاتب أن يجمع بين الكتابة للصحافة وبين السرد والنقد والفن التشكيلي؟ ألا يخشى تشتيت الفكرة والتركيز في نمط معين من الإبداع؟

  • يستفسر هذا السؤال عن التنسيق والتركيز بين حقول إبداعية متنوعة، ويفترض ضمنا الصعوبات من تشتت وعدم تركيز. وحسب تعلق الأمر بي فإن إجابتي مرتبطة بعملي الصحفي وطبيعته المتنوعة. إنني إحيل إجابتي إلى الصحافة إذن!

في الصحافة تجتمع النصوص وتلتقي وتتفرع. وأنا في الأصل عامل في الصحافة.

والحال هذا السؤال الموجه لي يمكن توجيهه للكثيرين الذين يستخدمون الصحافة لتمرير نصوصهم أو تستخدمهم الصحافة لملء صفحاتها وتنويعها. الصحافة ملتقى نصوص متنوعة، وتلك هي وظيفتها وسر ديمومتها. في الصحافة تلتقي أصناف من الصحفيين والمحررين بأدباء ونقاد اختاروا العمل في الصحافة لأنها مهنة تتطلب مؤهلات في اللغة والكتابة وإبداء الرأي. يخطر في بالي كأمثلة أدباء عملوا في الصحافة: الروائيان جمعة اللامي وفاضل العزاوي، والأخير شاعر ممتاز كذلك. عمران القيسي الذي جمع ما بين الصحافة والرسم والشعر والنقد الفني، ابتسام عبد الله التي جمعت ما بين الصحافة والترجمة والرواية.

هناك بالطبع أمثلة أخرى عملت في الصحافة من أجيال جديدة، ولا أظن وجود اختلافات كبيرة بينهم، فقد اختاروا مهنة الصحافة أو اختارتهم. لقد طوّرا جميعا عملهم الكتابي ولغتهم التعبيرية في الصحافة، وما من مكان آخر للتدريب الصعب والمراقب اجتماعيا غيرها، فهي بمثابة حقل لتعلم الكتابة التعبيرية وتأمل الواقع الاجتماعي وتحويل الأفكار والممارسات الكتابية إلى خط إنتاجي. لكن هذا لا ينفي وجود دوافع ووقائع أخرى تشتبك مع الموهبة والإعداد الثقافي الشخصي، واقصد هنا أن الصحافة هي مصدر عيش، هذا القاسم المشترك لعاملين قد يتماثلون في الحظوظ ويختلفون في ودائعهم الثقافية وخطوط نموهم المستقل المرتبط بأهدافهم.

قبل أن توجد صحافة متخصصة في الأدب والشعر والنقد كانت الصحافة اليومية هي المعين والرافد للكتابة في جميع حقولها التي نعرفها في حياتنا الاجتماعية. بيد أن الصحافة حافظت على وظيفتها الجامعة حتى بوجود صحافة متخصصة في الأدب والشعر والنقد. كان الفنانون التشكيليون يبنون جسورهم مع الجمهور عن طريق الكتابة في الصحافة اليومية. هم لا غيرهم من بدأوا الكتابة في الفن التشكيلي والحديث عن تجاربهم الفنية وتجارب زملائهم. إزاء ذلك نشرت أنا نفسي نصين نقديين تشكيليين في مجلة الأقلام مضطرا نظرا لطولهما بما جعلهما غير مناسبين للنشر في الصحافة اليومية، وليس لسبب آخر.

هناك ميزة في الصحافة اليومية أنها تمثل على طريقتها الراهن في حركته وتفاصيله وأحداثه. من الواضح أن ضغوط الزمن السياسي تمارس دورا في تشكيل حياتها الداخلية وتوجهاتها الفكرية. وبالرغم من ذلك فإنها دائما ما تستهلك نصوصا هاربة أو تومئ للحياة الشخصية والأفكار التي لها قراء خاصين. والحال إن المواد الثقافية التي تنشر فيها تحظى باستقلال خاص تعبر بهذه الطريقة أو تلك عن الاستقلال النسبي للجماعات الثقافية ومتطلباتها المعترف بها. إنني بالتأكيد أنقل صورة عامة، وفي ذهني أزمان باردة وهادئة، قليلة الصخب والسخونة السياسية.

أعرف مثقفين وأساتذة جامعيين كانوا يفضلون النشر في الصحافة اليومية فهي تصل للقراء بسهولة فضلا عن سرعة النشر.

ما يتعلق الأمر بنشاطي المتعدد وضحت في مكان ما أن إسهامي في النقد الفني متفرع من عملي الصحفي . لم أقل هذا عن تواضع بل عن وصف موضوعي لحالتي وحالة النقد الفني، لأن الصحافة كانت وما زالت، كما أظن، هي الموقع الذي تستهلك فيه النقود الفنية. إن (دور) ناقد فني بالمعنى الثقافي والسوسيولوجي غير مرتبط بحالة بنائية تصنع توقعات عامة بل هو ما يصنعه الفرد بمهاراته واختياراته مع توقع نسبي من الجماعات الفنية.

لكي أواصل إجابتي في سياق صياغة سؤالكم أصارحكم أن الكثير من عملي الصحفي انصرف في إعادة الصياغة وملاحقة بعض الحوادث والمناسبات الثقافية والفنية التي يطلق عليها المتابعات، فضلاً عن كتابات ثقافية وتشكيلية ظرفية. كنت مخلصاً لفكرة مفادها : كل كتابة يخترقها ظرف أو تولد عنه!

ولقد واتتني ظروف خاصة ابتعدت فيها عن الصحافة أو تخففت من عبئها اليومي، وعندها أمكنني أن أكتب روايتي الأولى. الأمر لا يتعلق إذن بالتنسيق والاضطرارات الملحة بل بمصادفات ظرفية ودور ثقافي شخصي متطلب لا أستطيع أن أتجاهله.

على ركام الدولة العراقية بعيد لحظة السقوط المدوية عام 2003؛ كنا نستمع لتقييم نقدي مختلف قاله الناقد والمؤرخ العراقي عبد الإله أحمد، بعد صدور روايتك “التل”: نحن ننتظر الكثير من “سهيل”. كان ذلك التقييم صادرا، ربما، عن لحظة 2003. هلا حدثتنا عن ظروف كتابة تلك الرواية؛ وكيف تنظر الآن لتلك الرواية “المبشِّرة” باسم كاتب جديد في الرواية العراقية؟

  • ولدت رواية “التل” على الحافات القلقة بين عامي 2002 – 2003 ، وطبعت قبل شهر من الحرب. كنا ذاهبين للحرب إذن، وكنت أتوقعها بل إنني – وهذا اعتراف مني – قدمتها للنشر بعد إلحاج شديد من أصدقائي، لكن على إيقاع ذلك التوقع كأني أردت أن لا تنشر أو تنشر والجميع منشغل بحدث مأساوي هائل سيغير وجه البلد. والحال كنت بطريقة ما أرى روايتي بمنظار الحرب التي ستقلل من شأن أي عمل شخصي حتى لو كان مبهراً. بعد الحرب ظهرت إشاعة أنها احترقت مع ما احترق من دائرة الشؤون الثقافية. هذا لم يقع بالطبع لكنها كما لو احترقت فعلاً، إذ لم توزع النسخ التي طبعتها دار الشؤون الثقافية كأنها اختفت. كيف؟ لا أدري ، ولم أزعج نفسي في الاستفسار عن مصيرها. إن النسخة المتداولة الآن من الرواية صدرت عن دار المدى في 2007 .

الحقيقة أن رواية التل ولدت كخطاطة مختزلة عام 1978 ، بعد أن نقلت بقرار من مجلس قيادة الثورة من جريدة “الجمهورية” الى وزارة المواصلات في حملة تبعيث الإعلام. بيد أن تلك الخطاطة عكست خبرة حقيقية عشتها في الحملة العالمية لإنقاذ آثار حمرين في شهر تشرين الثاني عام 1977. لقد اختارني رئيس مؤسسة الآثار الدكتور مؤيد سعيد للكتابة عن هذه الحملة، وبالفعل نشرت ثلاثة تحقيقات في صفحة “آفاق” الجمهورية عن هذه الآثار، والتحقيق الرابع لم ينشر نظراً لنقلي من الجريدة، ونشرته فيما بعد في مجلة “آفاق عربية” وكان بعنوان “الحضارة والموت” إلا أن المحرر المسؤول تحت ضغط الحرب العراقية – الإيرانية أبدل العنوان إلى عنوان مضحك : تأملات حياتية!

هذا الحدث الغريب شق طريقه إلى الرواية ، فبطل الرواية هو الآخر سيكتب عن الحضارة والموت ويتمشكل مع السلطات.

من بين نحو 72 تلاً أثرياً في حمرين اطلعت عليها وعلى مشاكلها الفنية ونوع الحلول الخاصة بحفرها والتنقيب في باطنها اخترت أنا تلاً متخيلاً مستعيراً طريقة التنقيب الفنية للتل مما تعلمته أثناء بقائي في حمرين لمدة عشرة أيام. وعلى عكس أغلب روايات هذه الفترة والسنوات التي سبقتها تسللت روايتي من المدينة وبيوتها ومقاهيها وشوارعها إلى البراري والصحراء. أثناء كتابتي للرواية اكتشفت معنى هذا الانتقال في حياتي، فأنا أبتعد عن الثقل الاجتماعي للمدينة ورقابة السلطة نحو مجتمع صغير يعيش في مخيمات، وقد سميت هذا الانتقال بخط هرب إلى مكان لا سلطة مهيمنة فيه، بل تسوده طبيعة متقلبة تقترن بالتآخي البشري بين عاملين في حقل الآثار والزمن. إنها مساحة جديدة غير مجربة للتأملات في الحياة والوجود والموت وحالة العدالة التي يجري دائما إهالة التراب عليها لتظفر السلطة بنسيان يستغرق ألف عام!

إن ما حققته في تلك الرواية هو هذا الهرب المشروع على المستوى الوجودي، أما على مستوى الأحداث الروائية فقد هدّت بعض استحكامات الرواية العراقية الاجتماعية وأخرجتها الى فضاء جديد. ولأنها الرواية الأولى لي فقد وضعت فيها الكثير من البراهين ما جعلها تمتلئ بتعاضد الأفكار والأحداث دونما راحة. بيد أن قوتها تتجلى في نسقها الإنشائي المتحرك ولغتها المبتكرة، وبعض التحليلات الجديدة عن التصوف في القرن الرابع الهجري، وهذا ما شخصه إيجابيا الروائي والناقد المغربي محمد برادة.

بعد روايتك التل الصادرة في العام 2003 كتب احد النقاد بانك ” “محاصر بالكآبة الوطنية ومنشغل بالتوازن مع الرعب، يلوذ بالقلم والورق لفتح نافذة في الجدار المعتم للتنفس والتواصل مع العوالم المضيئة” ..” السؤال: الى أي حد انصفت النقدية العراقية والعربية تجربتكم الروائية؟

  • أظن أن هذا الوصف السيكولوجي لحالتي ينطبق على الكثير من العراقيين بصرف النظر عن مهنهم وحساسيتهم . عندما كنت أعمل في جريدة الجمهورية كان أصدقائي يلقبونني بشيخ اليائسين، والحقيقة كنت لا أخشى اليأس بل أخشى ما أخشاه الأمل، فهو بضاعة فاسدة توزعها السلطة مجانا أو تستدخلها في حياتنا عنوة. هناك يأس عملي أخلاقي، يأس من اللحظة الراهنة. يمكن للكتابة أن تصف هذا (الحصار الوطني) والتخفيف من وطئته بالفهم والمعرفة، لكنها لا تستطيع أن تبدده، فهو سياسي – اجتماعي، وبوصفي كاتبا ما كنت ألوذ بالكتابة وحدها، بل بالصمت، والهرب، واللجوء إلى الداخل الذي من كثر ما لذنا به نحن جيل الستينات بات يتورم ويحل محل الحياة. هذا ما جعل الكتابة نفسها تتصف بفقر تجارب الخارج . الضوء الداخلي إذا لم يتوجه الى الخارج يحرقنا.

هل أنصفني النقد؟ نعم أنصفني، وإن كنت أبحث عن الحياة المنصفة للجميع.

الواقع العراقي أشد قساوة وغرابة من أي فنتازيا يمكنها ان تساعد في انتاج رواية ذات حبكة عالية .. هل تتفق معنا في ان الرواية العراقية ينبغي لها ان تنشغل كثيرا بالواقع وتداعياته المروعة؟

  • أرى أن السؤال ينقل حكماً من الواقع العراقي إلى الرواية، لكننا إزاء قضيتين مختلفتين من حيث المضمون والتناول: استخدام التحليل الاجتماعي والسياسي في حالة المجتمع، واستخدام المعايير الثقافية والفنية في حالة الرواية. والحال هناك افتراض أن الرواية لها روابط مع الواقع أكثر من أي حقل تعبيري آخر، وهذا صحيح مع الاحتفاظ بالتمييز بين الاثنين. إن معالجة هذا الارتباط يستدعي منهجاً سوسيوثقافيا وقراءة نصوص روائية عديدة واستخدام الأمثلة لكي نثبت دلالاته. ننتظر من النقاد توضيح هذا الأمر الجدالي.

مع ذلك أراني قريبا من هذا الارتباط لكن من زاوية أخرى. فأنا أعتقد أن الانقسام السياسي في العراق حدّ من التطور الأخلاقي والحضاري للمجتمع. وهذه الحالة تزداد تعقيداً لأن هذا الانقسام بات يتعمق متحولاً إلى انقسام طائفي وعشائري ومناطقي، وبعبارة مختصرة: إنه تشرذم عام. إن ما حدث بعد الاحتلال الأميركي يثبت هذا التحول الذي شكّل نكوصاً يغوص عميقا في التاريخ، وبدلاً من التنمية الحضارية نرانا في حالة من الهمجية وتعدد السلطات وتحكم قوى ما قبل الدولة. فهل ينبغي العودة الى الواقع ، والواقعية على وجه التحديد، لكي نفهم ما يجري؟ لكن لا يمكن أن نتقدم بهذه النصيحة للروائيين، وليس من اللائق تقديم النصائح باسم الواقع أو أي فكر ينتسب إليه. أتمنى أن لا يسهم الروائبون بهذا التشرذم ويتحولون إلى أدوات بيد السياسة، فمهمتهم هي وصف ما يجري مستخدمين الأساليب الفنية المناسبة. والحال إن إنتاجهم المتنوع لا يقف بعيداً عن حياة الجدل الداخلي للنوع الأدبي السائد في العالم . إن علاقات القوى تعمل هنا ايضا، فالرواية في العالم تمارس التأثير وليّ الأذرع.

ثمة روايات عالجت النكوص العراقي باسم الفانطازيا والرمزية، حيث الواقع يتحول، والأشخاص يتحولون إلى حالات. أفكر هنا بالانتاج الروائي لمرتضى كزار وأحمد السعداوي وميسلون هادي وعبد الكريم العبيدي.

ظلت الرواية العراقية المكتوبة في داخل العراق توارب في خطابها مخافة مبضع الرقيب السياسي .. هل تخلصت الرواية العراقية اليوم من تلك المواربة ونجحت في كسر تابوات السياسة والدين والجنس والاسئلة الشائكة التي تتعلق بالوجود والحياة؟

  • فيما عدا الانتاج الأدبي العراقي في الداخل، فإن الإنتاج الأدبي في الخارج منذ التسعينيات وقبلها كان قد تحرر من الرقابة السياسية. ولعل سنوات الفوضى ما بعد الاحتلال الأميركي يسّرت حرية تجلت أكثر ما تجلت في الكتابة السياسية، وهذا برأيي مهم ، لأن حرية الكلام توطئة لحريات أخرى، وتحطيم للتابوات في جميع أشكالها. ولست متأكداً إن لم تكن السنوات العشر الأخيرة قد ولدت تابوات جديدة شملت حتى بعض الأشخاص الذين لا يمكن مسهم مع ما يمثلونه من فكر أو دين أو طائفة. لا أمتلك معلومات محددة، لكن الانقسام الطائفي والعشائري والمناطقي الذي تتضح معالمه الاعتدائية كلما اقتربنا من الانتخابات النيابية لا يبشر بخير.

ثمة طروحات نقدية تشير الى أهمية ان تكون الرواية اليوم قريبة من السوسيوثقافي، وبهذا تشتبك مع الاسئلة المصيرية التي تحيل الحياة العراقية الى قلق مزمن . هل ترى في هذه الطروحات نوعا من الحلول لمشكلات الرواية العراقية؟

  • أرى أن الرواية من حيث هي بناء ثقافي تشتبك على نحو ما بالقضايا الاجتماعية حتى في حالة رواية تبتعد عنها إلى ذاتية متورمة، فلهذا الابتعاد معنى يستدعي الكشف باستخدام أدوات اجتماعية ونفسية ولغوية. لا تعمل الرواية وحدها بل تتكامل مع خطابات أخرى كالنقد الثقافي أوالسوسيولوجي أوالفني القادر على تقديم كشف أو مقاربة لعلاقة الرواية بالمجتمع. الرواية على أية حال لا تحل المشاكل الاجتماعية ولا تخفف من القلق. الرواية تسهم في معرفة ما يجري في المجتمع الكبير أو المجتمعات الصغيرة ، تسهم في فهم الحياة النفسية. هذا من حيث المبدأ الذي تؤكده الرواية التي أنتجها العالم حتى الآن.

بيد أن سؤالكم يفترض وجود مشكلة في الرواية العراقية وحلها سوسيوثقافي. أنا أتفهم منطلقات هذه الفرضية ، فهناك روايات تجريدية تتعكز على الشعرية والحياة الداخلية ، وهذا ما نتركه للنقد ، إذا لم تكن المشكلة في النقد كذلك. لا أريد أن أصوغ هنا نقداً للرواية العراقية، ولست متابعاً جيداً وقد اجتزت الثمانين وبعيد عن التفاعل الثقافي المحلي.

اسست الرواية المصرية من خلال (نجيب محفوظ ومحمد عبدالحليم عبدالله واخرين) ما يمكن نطلق عليه سردية التوثيق للحارة المصرية والتاريخ المصري – السياسي والاجتماعي – وصولا إلى قدرتها على التأثير في السينما ودراما التلفزيون .. فما الذي اسست له الرواية العراقية؟

* هذا السؤال يداور السؤال السابق مقدماً أمثلة لا يمكن إلا الاعتراف بها مع تأكيد وجود فروق بين المجتمع المصري والمجتمع العراقي . ما حقيقة هذه الفروق؟ أرى أنها فروق حضارية وتأسيسات خاصة بدولة لها تاريخ وأخرى انتزعت من الاحتلال العثماني وتأسست بواسطة احتلال بريطاني مباشر. قد نجد تفسيرا عند علي الوردي فيما يتعلق بالمجتمع العراقي المنقسم عشائرياً وطائفياً مع دولة ولدت وسط بحر من العشائر والطوائف والقوميات، ولقد ولدت ضعيفة ولكي تتقوى اعتمدت على التدخلات السافرة للنظام السياسي في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. إن دولة ملحقة بالنظام السياسي نراها تراقب كل نمو مستقل يتعارض مع إرادتها. الانقلابات السياسية عزّزت هذا التوجه ، والنظام الدكتاتوري الصدامي ألحق الدولة والمجتمع بالحزب. باتت الحرية في محنة التحقت بها كل المظاهر الثقافية والحضارية. هذا التفسير عام ، يقدم خطاطة مسار. أما ما يتعاق بالإنتاج الثقافي والفني مع تأسيساتها ، فسنرى تبايناً واضحاً، ففي الأول نرى التبنين مؤكداً في المؤسسات المصرية، مع تبنين نظير في الشخصية المصرية الأساسية التي عزّزت السينما والدراما التلفزيونية حضورها النمطي والتعبيري.

ماذا قدَّمت لك تجربة الإقامة في الدنمارك، بعيدا عن البلاد المضطربة؛ هل أنهت هذه التجربة ما أسميته بـ”سوء حظ” رافق مسيرتك وحياتك كلها؟

وصلت الدانمارك وأنا بعمر السبعين، مواض ممتلئة خلفي وأمامي لا شيء غير انتظارات مبهمة. سوء الحظ التحق بي، فما زلت لاجئا أحمل وثيقة سفر، ما جعلني معلقا بنظام لجوء غير مستقر لا أعرف تغيراته ولعلي إزاء توقعات سيئة. على الرغم من ذلك فأنا مكفول برعاية صحية جيدة والناس الذي يحيطون بي من الدانماركيين يتصفون باللطف والمساعدة والتهذيب. إزاء ذلك ثمة وضعي كمنتج ثقافي الذي يفضح حياتي العراقية، فالكتاب الوحيد الذي صدر لي في العراق وبوجودي الشخصي هو رواية التل، وثمة مخطوط كان يمكن أن يطبع في النقد الفني أضاعوه لي وخسرت مواده لعدم وجود نسخة منه. إن سوء الحظ عراقي مئة بالمئة يمسك بأرداني. كتبي الأخرى صدرت وأنا في الأردن أو الدانمارك ، أي أنها صدرت وأنا أتوجه إلى الثمانين، وكان آخرها نوفلا (الريفيرا العربي وحمى النجمة) التي صدرت عن دار المدى عام 2023 . إنها حالة غريبة أن تصدر كتبي وانا بين السبعين والثمانين من العمر!

بين روايتيك فاصل زمني يمتد لعقدين كاملين؛ ألا يشكِّل هذا الفاصل الزمني “مشكلة” في استقرار وتلقي القارئ لنتاجك الروائي عامة؟

  • اعتقد أن جوابي السابق يمضي في هذا السؤال . هذا الفاصل الزمني لا يعد مشكلة، فروايتي الأولى لم ترسم حولي توقعات ملحّة، فالكل عرفني صحفياً وناقداً فنياً. والرواية صدرت في ظرو ف غير عادية. والحال إن رواية “التل” تختلف في البناء والمضمون عن رواية “حي 14 تموز”، كما تختلف عن الروايتين القصيرتين “الريفيرا العربي وحمى النجمة”، والأخيرتان كتبتا في أعوام التسعينات وأقفلت عليهما بسبب سياسي ونسيتهما ثم تذكرتهما وجمعتهما في كتاب بعد أكثر من 25 عاما. أنا مسرف في التأخر على المواعيد المهمة، وفات الأوان على التصحيح!

– “حي 14 تموز: 2023″، روايتك الثانية، اتسمت لغتها بالرشاقة وعدم التضخم، وكان بناؤها السردي منحازا للتعدد الصوتي؛ لكنها لم تتخلَ عن وظيفة “المنقِّب” كما وجدناه في رواية “التل”؛ فهل ثمة صلة تاريخية وجودية بين “التل” و “حي 14 تموز”؟

  • في رواية التل كان بطل الرواية ينقب في التل وفي حياته الداخلية. كان هناك خطان يلتقيان ويفترقان ما بين التراب والروح. لا أظن أن رواية “حي 14 تموز” تفعل الشيء نفسه ، إلا أذا اعتبرنا النبش في الزمن السياسي تنقيباً. لكن هل توجد صلة ما بين مضمون الروايتين؟ لقد اكتشفت انا نفسي هذه الصلة بعد أن كتبت الرواية الثانية، بدا الأمر أنني في الروايتين أعقد صلات مع شباب منسيين دافعاً بهم إلى الحياة والذاكرة. تناولت (التل) حياة نسّاخ شباب من القرن الرابع الهجري، حُبسوا في موقع مشبوه لكي ينسخوا كتباً مكرهين، فهم يتامى الحروب والانقطاع عن العوائل وتباعد الأمكنة، وكانوا مراقبين من قبل رجل يتظاهر بالورع الديني محروس. أما رواية “حي 14 تموز” فتناولت حياة شبان أذكياء تعصف بهم السلطة والحرب وتمزق شملهم. الروايتان إذن تتحدثان عن شباب تتحكم بهم السلطة. عندما أدركت هذه الصلة فكرت بفترة شبابي التي قاومت بنفسي حيويتها خشية من دفع تكاليف باهظة. لقد انقضى الشباب في زمن الكلام الصامت!

أفكر بـ”المريض العراقي” كما أفكر، ربما، بـ”الكاتب العراقي”، وقد لا نقصد المساواة بينهما؛ فهل كتب “سهيل سامي نادر” كل ما لديه عن هذا المريض؟

  • أرى في كتاب “المريض العراقي” عتبة للتفكير بمصير هذا المريض الذي بدلاً من أن يتشافى راح ينقسم على نفسه ويؤكد فرضية علي الوردي بالتناشز الاجتماعي، وأرجح الشيزوفرينيا. لقد كانت الدولة تلزم قوى ما قبل الدولة حدودها، أما الآن فإن هذه القوى هي التي تسيطر على الدولة، بل وتتقاسمها كحصص أيضا. كنت قد تناولت بعض ظواهر هذا المريض وأجلت صدور كتاب لي مليء بزخرفة وخرافات وافعال هذا المرض الذي انتشر في الاقليم وبات يهدد تاريخه الحضاري المجيد. لا يستطيع كاتب معزول غير أن يؤشر ويناشد ويلتزم بالمعروف وخير الكلام والتحلي بأضعف الإيمان!

 

زر الذهاب إلى الأعلى