مفارقات سورية راهنة رشا عمران

سوف يبقى تاريخ 8 ديسمبر محفوراً في الوجدان السوري الجمعي، رغم كل ما حدث بعده، فنهاية نظام مثل نظام الأسدية ليس أمرا عاديا، هو أشبه بانكشاف ساطع لسماء كانت محجوبة بكثافة غيم أسود، أو ربما أشبه باستعادة ضحيّة تنفسها بعد بقائها تحت الركام عقوداً عدة، أو ببركان يلقي حمماً تحرق ما حولها لفرط ضغط احتباسه. يمكن قول جملٍ لا تنتهي عن هذا التاريخ تفسّر مشهد الملايين المحتفلين في شوارع سورية في ذكرى التحرير، أو كتابات الذين لم يشاركوا في الاحتفالات. وكلها وصفت هذا اليوم بالاستثنائي في التاريخ السوري. كانت هناك صخرة بالغة الثقل تضغط بقوة على صدر سورية حتى تكاد تخنقها، وتفتتت بنفس القوة مخلفة الكثير جدا مما يمكن الاختلاف حوله وعليه، والاتفاق شبه الكامل حول ضرورة زوالها.
ولكن هذا التغيير المذهل فضح الترسّب الكبير للسموم الطائفية التي عاش عليها المجتمع السوري زمنا طويلا مزوّدا بأمصال أكثر سمّية تعزّزت في حرب السنوات الأربع عشرة الماضية، حتى صار الترسّب طبقة كثيفة جدا من الشك والحقد والكراهية والعداء الطائفي الذي ظهرت بنيته بعد التحرير مباشرة مع الانتهاكات الطائفية أولا، ثم مع مجازر الساحل والسويداء التي شارك فيها مدنيون سوريون، ومع جرائم القتل والخطف التي لا يمكن مواراة طابعها الطائفي تحت أي ذريعة، كان جديدها ليلة الاحتفال العظيم حين قتل الشاب العشريني العلوي (مراد محرز) بعد أن سأله شاب آخر إن كان سنيا أو علويا وأطلق عليه الرصاص بعد إجابته التلقائية بأنه علوي، كمن يطلق الرصاص علي أي أملٍ بالخلاص، عبر استعادة الخطاب الوطني والتعايش المشترك، فالمعركة الآن ليست ضد من سقط، بل ضد تركته في الذاكرة السورية، ضد ثنائية الجلاد والضحية التي عاش فيها السوريون طويلا، ضد إرث الطائفية ولغة الكراهية التي تكاد تصبح حالة سورية معمّمة، ضد الذهنية السابقة التي لا تزال مسيطرة على الوعي الجمعي السوري، ولم تسقط، للأسف، مع سقوط مؤسّسها.
والحال إن جريمة القتل تلك واحدة من المفارقات التي لا تنتهي في المشهد السوري الحالي، ففي قلب الاحتفالات أيضا كانت هناك هتافات تنادي بالوحدة الوطنية وعلى بعد خطوات منها هتافات تشتم الأقليات بألفاظ سوقية وتتوعدهم بالموت القريب مفرغة ذكرى الاحتفال بالتحرير من جوهر معناها، ومعيدة ثوابت الخوف لدى سوريين آخرين، كما لو أن الحدث هو نفسه انتقل من زمن إلى آخر بتغيير الأدوار، من دون المساس ببنيته الحقيقية. ومن المفارقات أيضا أن يطالب الرئيس الانتقالي السوريين، في أثناء الاحتفال، بطاعته (بطاعتنا) بوصفه ولي الأمر، متجاهلا أن الثورة السورية التي أوصلته إلى الحكم قامت ضد فرض الطاعة ونبذ الخوف الذي تنتجه الطاعة.
رغم كل شيء، السوريون يستحقون الفرح، يستحقون تحقيق أحلام ثورتهم التي طالبت بالحرية والعدالة والديموقراطية رغم الهشاشة البالغة للحظة الراهنة، حيث يشبه الفرح قشرة رقيقة تغطي جراحا لم يتح لها أن تشفى بعد، لم تتحقق العدالة للضحايا، لم يعاقب المجرمون، لم يتكاشف السوريون ويعترفوا بمسؤولية كل منهم عما حدث، لم يعتذر أحد عن الجرائم المرتكبة، لم تتوقف الجرائم ولا المجازر أصلا، هي ما زالت متواصلة بمنهجية مختلفة فقط، لم تظهر ملامح الدولة المستقبلية حتى اللحظة، ولا يعرف أحد ما هو مصير سورية القادم مع كل ملفاتها المعقدة في الداخل والخارج. لم يتراجع الغضب المحبوس في الذاكرة، ولم يأخذ العقل الجمعي فرصته للتفكير بضرورة نبذ الانقسامات للنجاة بالوطن وإنقاذه من علله الظاهرة والمخفية. فرحة السوريين بالتحرّر من نظام الأسد عارمة لكن هذا الفرح لا يمكن البناء عليه وحده، طالما السائد هو منطق الغلبة الطائفية والولاء الطائفي والعداء والعنف الطائفي. عملياً، تم قطع يد الجلاد، لكن مقصلته ما زالت مشرعة شاهداً دائماً على ما يمكن أن يؤول إليه مصيره.
تعيش الذاكرة السورية اليوم حالة كبيرة من التخبط، فبدلا من أن تكون “جسراً ممتدّاً بين الضحايا والمستقبل” أصبحت سببا للانتقام العشوائي الكفيل بهدم المستقبل، فالحرية التي تعلي منطق كراهية الآخر ومصادرة حقه في العيش سوف تتحوّل قريبا إلى سجن جديد تعتقل سورية كلها فيه.