من أنـــا ..!!؟؟ عبد الهادي شلا *

تحت تأثير حالة ما يجد الإنسان نفسه وسط عاصفة من الأسئلة المعقولة فلا يجد صعوبة في الإجابة عليها وكذلك أسئلة غريبة قد تكون غير منطقية لكنها تأتي وتلح في العقل الباطن الذي تتشابك فيه هذه الأسئلة وتتعقد حتى يكاد أن يضيع وينفصل عن واقعه إن لم يدرك في لحظة ما أنه على حالة عميقة من التفكير التي جوهرها الخروج عن المألوف وبالتالي عليه أن يقوم بجهد كبير للوصول إلى إجابة مقنعة أو قريبة من الواقع الذي يمكن تصديقه.
مرات كثيرة يمر بخاطري أسئلة أود أن أوجهها لنفسي وأقوم بالإجابة عليها، ومن الطبيعي أن تكون هذه الأسئلة ابنة لحظتها أو نتيجة موقف أو سماع خبرغريب يحتاج التوقف عنده والتأمل فيه، وكذلك الإجابة عليها. وهذا يعني أن هذه الأسئلة تتغير وتتبدل في كل فترة، وبالتالي تتبدل الإجابة عليها. ذلك أن مستجدات الحياة وسرعة وتيرتها لها تأثير في كل سؤال وفي كل جواب بسبب تراكم الخبرات والمعلومات التي تكون وراء غرابة الحالة. وإن أردنا السخرية، فإننا نقول إنها “سذاجة” مؤقتة، لكنها من المؤكد نافعة، ذلك أنها قد تكون نافذة تُطل على حديقة تسر العين فيستريح القلب من معاناة اللحظة حيث الخروج عن المألوف الذي نعرف إجابة كل سؤال فيه. أما هذه الحالة فهي فريدة ولا تتكرر بالصورة نفسها ولن تكون لها الإجابة نفسها.
من أنا؟ ..
كثيرون تحت وطأة ضغط الحياة ومواجهة تعقيداتها يقفون عاجزين عن تحقيق بعض شؤونهم فيسألون هذا السؤال الغريب وهم يدركون أنه شطط!!
ولكن الحالة تضغط، فيدور السؤال يبحث عن إجابة يقبلها العقل وتفتح مجالات واسعة لرسم صور لا شك أن تجارب الحياة هي المنبع الذي يروي العطش لإجابة نافعة عنه.
يختلف السؤال وكذلك الإجابة عليه باختلاف الأشخاص واختلاف مجتمعاتهم ومكانتهم فيه ومستواهم الاجتماعي وفروق أخرى كثيرة. لذلك فإن كان صاحب السؤال له القدرة على إعادة ترتيب أولويات السؤال فإنه سيكون قادرا على تتبع مستويات الإجابة عليه، وسيكون قادرا على أن يحدد بداية انطلاقه ومن أي مرحلة عمرية وظروفها وتطورها، وصولا إلى حالتة التي ترهقه بمثل هذه الأسئلة الغريبة والمنطقية في الوقت نفسه. وهي أسئلة لو دققنا فيها جيدا سنجدها مشروعة ولها فائدة أشرنا إليها في بداية المقال، وهي أنها نافذة تفتح على حديقة تسر العين فتكون فسحة واستراحة من ضغوطات الحياة وإرهاقها.
قد يكون ضروريا العودة إلى مرحلة الطفولة لاستنباط جواب مبنيّ على قواعد مؤكدة مر بها الفرد الذي سأل نفسه مثل هذا السؤال، ذلك أن مرحلة الطفولة يمكن تصورها مرحلة بناء واستقبال الخبرات التي تتبلور فيها شخصية الفرد دون تحمل مسؤولية كاملة، ذلك أن الأهل يقومون بهذا العبء وهم يرقبون نمو طفلهم ويوجهونه بقدراتهم وظروف مجتمعهم نحو أفضل السبل في الحياة إن كانوا من فئة الطيبين. وبالمقابل هناك أشرار يهملون توجيه طفلهم إلى منابع الخير مما يترتب عليه أن تتاح الفرصة لطفلهم بأن يجد من يأخذ بيده إلى دروب الشر لأنهم ليسوا بالقدوة الحسنة وهذا نوع من الإجابة على مثل هذا النموذج من البشر.!!
كذلك فإن مرحلة الصبا والشباب هي الأكثر إثارة حيث تتكون شخصية الفرد وتنمو خبراته واختياراته وتوجهاته باكتشافات وإبداعات، فإما أن ينتفع بها خيرا أو ينحرف بها ليصبح شخصية مزعجة يتفادى الأخرون التعامل معه، ليجد نفسه منبوذا حيث يتوجب عليه أن يفطن إلى هذا ويتدارك حالته فيحقق مكانة رفيعة في مجتمعه أو يتمادى فيوجه شروره ورد فعله نحو ما ينبذه المجتمع، وهذا يمكن أن يكون نوعا أكثر تفسيرا وضوحا في الإجابة على السؤال الكبير..!!
إذا كانت الإجابة من الشخص الناضج الذي استوى بخبراته الحياتية واستطاع بقدرته أن يجمع خيوط ومتفرعات السؤال في بوتقة واحدة وبعين ثاقبة ويمكنه التدقيق في كل جزيئات مشوارحياته فإنه سيكون قادرا على استخلاص جواب شافٍ لنفسه وروحه التي تستعيد قوتها لمواجهة كل حالات الإضطراب والقلق التي نشأ عنها السؤال الكبير .. من أنا؟
عندها سيكتشف بنفسه وقدراته والتي تبصره إلى درب تحقيق طموحاته وأحلامه ويعرف من يكون..!!!
فنان تشكيلي فلسطيني من جيل الرواد
(ناشر ورئيس تحرير الصراحة) لندن اونتاريو
من كتاب الطبعة الورقية من البلاد