من سيحرس الحقيقة كرم نعمة


لم أظهر وجعي أمامها. نحن أبناء هذه المهنة نتقن إخفاء الألم كما لو أنه جزء من قواعد العمل.
لكنّها بلا شك قرأت الخيبة على وجهي وأنا أحيّيها ببرود أمام طاولتها الصغيرة المزدحمة بحليّ رخيصة لا تشبه شيئاً من تاريخها.
كيف يمكن لامرأة كانت تُستدعى لتحليل العالم… أن تُختزل اليوم إلى بائعة إكسسوارات في سوق يفتح نهاية الأسبوع بضاحيتنا اللندنية؟
هذه السيدة الإنجليزية كانت ومازالت صحافية بارعة في الغارديان، ضيفة دائمة على الشاشات، تكتب في السياسة بثقة من يعرف أن كلمته تُحرّك النقاش العام.
أصدرت كتاباً سياسيا حصلت على نسخة منه، ووجدت مقالاتها طريقها إلى أرقى المجلات السياسية الأميركية @ForeignPolicy. كانت جزءاً من المشهد، لا ظلاً على حافته.
تعارفنا أكثر عندما سافرنا معاً قبل أكثر من عشر سنوات للمشاركة في ندوة صحافية في #الإمارات.
بقينا على تواصل، ولم يخطر ببالي لحظة أنها ستقف يوماً خلف طاولة في سوق شعبي صغير نتجول فيه كل نهاية أسبوع. أيُّ مهنة هذه التي تُسقط أصحابها من دون أن ترفّ لها عين؟
وأيُّ زمن هذا الذي يجعل الصحافي يبحث عن قوت يومه بين بضائع رخيصة بعدما كان يبحث عن الحقيقة بين دهاليز السياسة؟ ما زالت (…) تكتب، لكن الكتابة لم تعد تكفي للعيش.
فهل أصبحت اللغة نفسها عاجزة عن حماية أصحابها؟
هل وصلنا إلى مرحلة يضطر فيها الصحافي إلى عملٍ ثانٍ كي يواصل عمله الأول؟
وهل ما زالت #الصحافة مهنة… أم تحوّلت إلى هواية مكلفة لا يقدر عليها إلا من يملك دخلاً آخر؟
وهي ليست النموذج الوحيد. هناك جيش كامل من الصحافيين البريطانيين الذين صاروا يشبهون أصحاب عربات الخيول بعد اختراع السيارة بداية القرن الماضي، يواصلون السير، لكن العالم تجاوزهم بلا اكتراث. فهل المشكلة في الصحافة… أم في العالم الذي لم يعد يريد أن يسمع؟
هل نحن الذين تغيّرنا… أم أن الحقيقة نفسها فقدت قيمتها في سوقٍ يشتري كل شيء إلا الصدق؟
عدتُ إلى غلاف مجلة نقابة الصحافيين البريطانيين @NUJofficial الذي صدر مطلع هذا العام. غلاف موجع: رسّام يصوّر صحافياً يعمل نادلاً ليلاً، يحمل الصواني بيد، ويكتب بلغته وشغفه باليد الأخرى.
صورة تختصر سؤالاً لا يريد أحد أن يجيب عنه: كيف تحوّل الصحافي من صانع رأي إلى نادل في حانة أو مطعم؟
ومن شاهد على العالم إلى شاهد على سقوط مهنته؟
ومن صاحب صوت إلى صاحب عمل إضافي؟ وإذا كان هذا حال الصحافة في بريطانيا، فكيف يبدو المشهد في أماكن أخرى؟ وإذا كان الصحافي لا يستطيع العيش من مهنته، فمن سيبقى ليكتب؟ وإذا غاب الكاتب، فمن سيحرس الحقيقة؟ أم أننا ببساطة نعيش زمناً لم يعد فيه أحد يريد حارساً للحقيقة أصلاً؟
صفحة الكاتب على منصة X