ميشال أبو جودة ضرغام الدباغ / برلين


ميشال أبو جودة
لم أتعلق يوماً بقراءة لما يكتبه صحفي طيلة حياتي، إلا مع الكاتب اللبناني الفذ ميشال أبو جودة (1933 ــ 1992) إذ كنت حريصاً شديد الحرص أن لا تفوتني قراءة العمود اليومي الذي يكتبه في صحيفة النهار اللبنانية.
ذات يوم ضمني حفل بدمشق كان يحضره الاستاذ غسان تويني رئيس تحرير وصاحب النهار البيروتية. وأنا الذي أقرأ الصحافة العربية من المحيط حتى الخليج، أعتبر بلا تردد أن صحيفة النهار هي من أروع الصحف العربية. حيث تتوازن فيها كافة المعطيات التي يمكن إطلاقها على صحيفة ممتازة تستحق أنت تقرأ يومياً. لديها خط، (ليبرالي بصفة عامة)، إلا أنها لا تمثل سلطة معينة، ولا يعرف أنها تشتغل بالمال، وقد تعرض محرروها وكتابها مراراً للقمع. وفي لقائي مع الأستاذ تويني، قلت له أن بالإمكان مع إجراء تعديل بسيط على نهج النهار، فتدخل النهار إلى سوريا والعراق وربما أقطار أخرى محظور دخولها بسبب خطها الليبرالي العميق ….
ضحك الاستاذ تويني ورد علي: وهل تفوتك أنت قراءة النهار يومياً، فأجبته : مستحيل .. فأنا لا أبدأ يومي إلا بقراءة النهار وأجدها صباح كل يوم على مكتبي، قال لي ومثلك كافة الشخصيات القيادية، وضباط المخابرات، والشخصيات السياسية، والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، والنواب، الخ ولهذا فنحن نبيع في القطر السوري (بطريقة التوزيع الخاص) أكثر مما كنا سنبيع لو سمح لنا رسميا بالبيع في أكشاك بيع الصحف في سوريا ..وما أقوله عن سورية يصلح لبلدان عربية أخرى، ولو غيرنا خطنا، لا يعود يحفل بنا أحد. .
كنت أصاب بدهشة شديدة حين أقرأ عمود الاستاذ أبو جودة، وأحدث نفسي، كأن شخصا من بين أعضاء القيادة يخبره بما دار أمس من مداولات بشأن الموقف السياسي بصدد قضية ما، ولكن دهشتي تزول، حين أقرأ مقالاً يتعلق بالشأن المصري، أو الخليجي أو أقطار أخرى، فأدركت بالتالي أن السر يكمن في جمجمة الاستاذ أبوجودة نفسه فهو يمتلك قدرة مدهشة على أستقراء الموقف السياسي وتبنؤاته الدقيقة ناجمة عن خبرة عميقة وأن حياة هذا الرجل وقدراته معبأة بشكل كامل في الحدث وردود الفعل على الحدث، وماذا يمكن أن يحدث .. وكيف أنتهى.. ثم أني علمت أن هذا الرجل يعيش هذه الهواجس طيلة حياته وطيلة يومه وليله.
قدراته في التحليل والتنبؤ والاستقراء التي تفوق الاعتيادي، أغرت الأجهزة بأختطافه ذات يوم، والتحقيق معه، وقيل له بكل احترام : يا أستاذ أبو جودة، تحليلاتك السياسية وتنبؤاتك للأحداث تدهشنا وهذا يعني إما أن لك مخبرين أو أنك تعمل مع مخابرات دولية…. ورغم الموقف المزري (يجري التحقيق معه مخطوفاً) ضحك الاستاذ جويدة من كل قلبه، وأجاب محققيه وخاطفية باللهجة اللبنانية الجميلة ” يا عم أنا شو بيعملوا معي المخابرات الدولية، هيدول عندهم شخصيات ومقامات كبيرة أنتم تعرفوها “.
ضحك المحققون .. ثم دعوه على العشاء وأعادوه لبيته في بيروت …….
السياسيون والقادة لابد أن يقرؤا عمود ميشال أبو جودة … ومن يفعل ذلك بشكل متواصل يدمن على قراءتها، وقد أدمنتها أنا بالفعل، لذلك خلال عملي ودراستي في ألمانيا فيما بعد، كنت أحرص أن أحصل على نسخة من النهار .. والسفارة اللبنانية كانت تؤمنها لي مشكورة …..
أنصح من يتنطح لمهمة الصحافة أن يقرأوا كتابات الاستاذ ابو جودة رحمه الله، الذي ترك علامة فارقة ومقاماً عالياً في فن الصحافة السلطة الرابعة …كان رأسه ملكية خاصة ويكتب بعيون ترى بعيداً، بثقافة رفيعة، بدماغ يقرأ ويحلل دون خوف أو وجل، فيأتي ما يكتبه هو وتقرأه أنت وكأنك تنظر للأحداث بناظور، أو ميكروسكوب، فتشاهد كل شيئ حتى الاحياء المجهرية ….
ميشال ابو جودة … أسم كبير بين كتاب العمود ……