مقالات رأي

نهاية الحرب..في مخيلة ظريف وقاليباف ساطع نورالدين

 

  على النقيض من النص الرصين الذي كتبه وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف لمجلة “فورين أفيرز”الأميركية قبل أيام، ورسم فيه خريطة طريق، تكاد تبدو إلزامية، لإنهاء الحرب، ووقف استنزاف إيران وموقعها، مقترحاً إعلان النصر المؤدي الى التنازلات الواقعية، كتب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لموقع شبكة الجزيرة القطرية، “رسالة الى الدول الإسلامية في المنطقة”، تعيد الحرب الى أصولها التاريخية السابقة لوجود دول الخليج العربي وللجمهورية الإيرانية.

وعلى الرغم من أن النصين صدرا من طهران، فإن الرابط بينهما شبه معدوم، والتنافر بينهما ظاهر ومبني على الموقع الذي يقف فيه ظريف المنبوذ من دوائر السلطة الإيرانية، لا سيما الحرس الثوري الحاكم حالياً، والحيز الذي يشغله قاليباف على هوامش الحرس، والذي رشحه الاميركيون صدفة للتفاوض، قبل ان يكتشفوا انه مزحة وليس صاحب قرار ولا نفوذ ولا دور، سوى الظهور الإعلامي.

الصحيح ان النصين يخاطبان جمهورين مختلفين بلغتين لا تسمحان بأي مقارنة او حتى منافسة:

ظريف يتحدث مع حكام ايران الجدد ، بأسلوب النصح والتوجيه والتمني المعطوف على نداء الى الغرب بان يحفظ كرامة إيران ومصالحها الحيوية غير النووية، بدل تدميرها بالكامل..

بينما يتوجه قاليباف مباشرة الى “دول الضفة الجنوبية للخليج الفارسي” العربية، داعياً إياهم الى التسليم الضمني بالهزيمة، هم والأميركيون والإسرائيليون ، والتوجه نحو ما يسميه ب”الاتحاد الاخوي مع إيران” التي صمدت بمفردها في وجه القوة الأميركية الصهيونية، بدلا من الاعتماد على “الامن المستأجر”، الذي لم ينفع الان ولن يجدي في المستقبل.

بينما يقترح ظريف تعاوناً إقليمياً خليجياً إيرانياً، تحت مظلة أميركية.

اقتراح قاليباف هو ، بصريح العبارة، “التوجه نحو أمن أميركا وإسرائيل”، وهو ليس سابقاً على نتيجة الحرب الراهنة نفسها، لكنه سابق أيضا لنتيجة حرب الخليج الأولى، الإيرانية العراقية، التي وقفت فيها دول الخليج العربية الست، ومعها غالبية الدول العربية الى جانب عراق صدام، في وجه المد الفارسي الإسلامي الذي قاده الخميني، واستدعي اليه الاميركيون الذين زادوا عدد قواعدهم العسكرية على منطقة الخليج العربي، قبل ان يُستدعى الإسرائيليون لاحقاً للانضمام الى تلك المواجهة المستمرة منذ نحو 46 سنة.. والتي تشهد المعارك العسكرية الدائرة حاليا على بلوغ ذروة لم يسبق لها مثيل.

يطلب قاليباف تفكيك تلك المنظومة العسكرية والسياسية الخليجية الأميركية التي قامت على أطلال حرب الخليج الأولى، والتي لم تفاجىء سوى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قال انه لم يكن يتوقع أن تلجأ إيران الى قصف دول الخليج العربية الست، وتحويل دولة الامارات العربية والسعودية والكويت خاصة، الى حقول رماية لصواريخها ومسيراتها، بعدما كانت الامارات تحديداً، معبراً رئيسياً للتجارة الإيرانية ومركزاً حيوياً للاستثمار الإيراني الذي فاق النصف تريليون دولار.. حتى في ظل النفوذ الأميركي والحضور الإسرائيلي الذي توسع في العقدين الماضيين، على مرأى ومسمع من طهران وحرسها الثوري خاصة.

العرض الإيراني الذي يقدمه الى دول الخليج ليس جديداً. ولعله جذوره تمتد عميقاً في جذور تاريخ ما قبل سقوط حكم شاه إيران الأخير. وقد تكرر مراراً في هذين العقدين، عندما كانت طهران، تشعر باشتداد الحصار والعزلة والعقوبات، وفي الوقت نفسه بتوسع اختراقاتها السياسية والأمنية للمجتمعات العربية، ومصادرتها الصراع العربي الإسرائيلي.. ليست رسالة قاليباف غريبة عن تلك الحسابات، بل لعلها ترجمة دقيقة، ومسبقة لها، تطمح الى استبدال النفوذ الأميركي بالنفوذ الإيراني في الخليج: يريد رئيس البرلمان الإيراني قطف ثمار الحرب قبل ان تنتهي، وبالتحديد على جبهة الخليج العربية، (اذا جاز القول انها ستظل جبهة واحدة)، وهي ثاني الجبهات الأكثر تضرراً من الحرب، والمقياس الأهم للشكل الذي ستتخذه نهاية الحرب.. وقد تكون بداية فصل جديد من “الصراع على الخليج” حسبما يوحي قاليباف.

@NSateh

 بيروت في 5 / 4 / 2026

صفحة الكاتب على منصة X

https://x.com/NSateh/status/2040741550502642027

 

زر الذهاب إلى الأعلى