هآرتس.. منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية: آخر ما توقعناه أن تنفذ دولتنا جريمة “الإبادة الجماعية”

السؤال الذي بدأ يلح علينا هو: هل هذا ما يحدث حقاً؟ في الوقت الذي يعرف فيه عدد كبير في العالم الإجابة، ما زلنا نجد صعوبة في الإجابة. ربما لأنا ندرك أن الحقيقة تهدد أسس ما اعتقدنا أننا عليه وما أردنا أن نكون عليه، وستلزمنا أيضاً بالاعتراف بأمور صعبة جداً بخصوص المستقبل. ولكن ثمن عدم الرؤية أعلى بكثير من ثمن الاعتراف بالحقيقة.
مفهوم الإبادة الجماعية يصف حدثاً يصعب استيعابه. بالنسبة للإسرائيليين أبناء جيلنا، فإن هذا كابوس بعيد، من مكان آخر وزمن آخر، ظاهرة تحدث على كوكب آخر. كل من تربى في ظل المحرقة سأل نفسه على الأقل مرة واحدة في حياته: كيف واصل أناس عاديون حياتهم وسمحوا لذلك بأن يحدث؟ في تطور مخيف للتاريخ، ها نحن اليوم، الناس الذين يعيشون هنا، يجب أن نجيبهم عن هذا السؤال.
منذ سنتين تقريباً ونحن نسمع ممثلي الجمهور عندنا وقيادات كبيرة في الجيش يدعون إلى التجويع والتصفية وتسوية وتدمير غزة والانتقام. لقد أعلنوا من البداية بأن هذا ما ينوون فعله، وبعد ذلك أرسلوا وقادوا الجيش الإسرائيلي لفعل ذلك بالضبط. هذا في القانون تعريف للإبادة الجماعية: هجوم منسق ومتعمد ضد أشخاص ينتمون لمجموعة معينة، ليس بسبب طبيعتهم أو بسبب ما فعلوه كأشخاص، بل من خلال نية تدمير مجموعتهم. ولكننا لم ننجح في سماع ما قيل بصراحة. لقد روينا لأنفسنا قصة تمكن النفس من تحمل الفظائع. وحتى لا نتحمل المسؤولية ونبعد التهمة والألم. لقد تحولنا لنصبح نفس الأشخاص العاديين الذين يواصلون حياتهم ويسمحون لـ “هذا” بأن يحدث.
أحاول أن أتذكر متى كانت اللحظة الأولى التي شعرت فيها بأن هناك شيئاً ما في الواقع قد تغير، وأننا نعيش في عالم آخر. وأعتقد أن هذا كان بعد شهرين على ما كنت أسميه “حرباً”. ثلاثة عاملين في “بتسيلم” وأبناء عائلاتهم كانوا في حينه داخل قطاع غزة، وهم أشخاص يعملون في هذه المنظمة منذ سنوات، كانوا شركاء حقيقيين، يدافعون عن حقوق الإنسان، من الدرجة الأولى، وتحدثوا عن أقارب لهم دفنوا تحت الأنقاض، وعن عدم القدرة للدفاع عن أولادهم، وعن الخوف الذي يشل.
من هناك بدأت سلسلة أحداث ربما سيتم الحديث عنها لاحقاً وربما لا، لأن هذه قصة عادية – مجرد قصة، ثلاثة أشخاص من بين الملايين المحظوظين الذين نجوا من الجحيم. ولكن هذه المحاولات غير المعقولة لإنقاذ الأبرياء من الموت مقابل فدية مالية عن كل رأس (كانت حياة الفلسطيني تساوي 20 ألف شيكل في تلك الأيام، وحياة الطفل أقل قليلاً)، هي التي جعلتني أدرك أن القوانين تغيرت.
كانت هذه المرة الأولى. ومنذ ذلك الحين، يصيبني هذا الشعور مرة تلو الأخرى – ذكريات من عوالم أخرى، لم أكن موجوداً فيها، ولكني سمعت عنها. قصص من أماكن محيت فيها الإنسانية، وبقي فيها أشخاص مهملون ومكشوفون. خطوط حمراء أخرى يمنع اجتيازها. المزيد من اللحظات التي تحول فيها غير المعقول إلى واقع. كل شيء لم نعتقد أنه سيحدث: قتل عشرات الآلاف، وتهجير الجموع بالإكراه، ثم مدن كاملة تحولت إلى أنقاض، ومبان انهارت فوق رؤوس سكانها، وتجويع، وتحطيم أحلام مستقبلية، ومحو شبه مطلق للأمل. والأطفال. كم من الأطفال.
الإبادة الجماعية لا تحدث بدون جمهور واسع يشارك فيها، ويؤيدها أو يغض النظر عنها. هذا جزء من المأساة – تقريباً لا يوجد شعب نفذ إبادة جماعية دون أن يفهم في الوقت الحقيقي معنى أفعاله. ودائماً، اعتبر هذا قصة للدفاع عن النفس، وعدم وجود خيار، وقصة عن شيء جرته الضحايا لنفسها.
القصة السائدة في إسرائيل هي أن كل شيء بدأ في 7 أكتوبر، بذلك الهجوم الفظيع الذي كل ما يحدث بعده في غزة يبدو ضرورياً ومبرراً من أجل الدفاع عن إسرائيل. محظور، ولا يمكن، التقليل من هول هجوم حماس في غلاف غزة في ذلك اليوم. كان ذلك هجوماً إجرامياً استهدف في معظمه المدنيين وتضمن عدداً لا يحصى من الجرائم الخطيرة التي لا يتحملها عقل. مجتمع كامل أصيب بصدمة حقيرة ومركزة، أثارت شعوراً بتهديد وجودي.
لكن رغم أن 7 أكتوبر كان قوة محركة كبيرة، فقد احتاج الأمر شروطاً سابقة أخرى للسماح بحدوث الإبادة الجماعية؛ والتحول إلى مجتمع قادر على محو إنسانية البشر بصورة تمكن من فقدان القدرة على التعاطف – والقول لأنفسنا بأن كل طفل حماس، وأن كل عائلة خلية إرهابية. وللتحول إلى مجتمع يرتكب الإبادة الجماعية، كان مطلوباً عشرات السنين من العيش تحت نظام الأبرتهايد والاحتلال، التي وضعت فيها وحُصنت الأسس النظامية والنفسية للتفوق والقمع والانفصال والخوف.
عشنا طوال سنوات بصورة منفصلة – الإسرائيليون والفلسطينيون – لأنهم علمونا بأنها الطريقة الوحيدة للعيش هنا. في العقود الأخيرة، تشكلت هذه النقطة النهائية للفصل والإبعاد على شاكلة حصار شامل لقطاع غزة. سكان غزة، الناس الذين يعيشون في غزة، تم إهمالهم في وعي الإسرائيليين. هم الناس الذين كان يمكن قصفهم مرة كل بضع سنوات بدون تمييز، وقتلهم بالمئات والآلاف بدون محاسبة. عرفنا أن ملايين الأشخاص في غزة يعيشون في ظل الحصار، وعرفنا عن حماس، وعرفنا من يمولها. حتى إننا رأينا صوراً من داخل الأنفاق. وبأثر رجعي، عرفنا كل شيء. شيء واحد فقط لم نأخذه في الحسبان، وهو أن ينجحوا في اختراق الجدار والوصول إلينا.
7 أكتوبر لم يكن فقط فشلاً للجيش الذي لم ينجح في حماية المواطنين الإسرائيليين، بل كان فشلاً اجتماعياً وفكرياً لكل من اعتقد أن العنف والقمع سيبقيان على في أحد جانبي الجدار، ثم نواصل العيش بهدوء نسبي في الجانب الآخر. هذا التمزق حدث عندما حكمت إسرائيل الحكومة اليمينية الأكثر تطرفاً في تاريخها، وكان شعبها يعتبر تدمير غزة تحقيقاً لرؤية قديمة. هكذا في تشرين الأول 2023 تبددت كل أحلامنا.
وللوقوف أمام الإبادة الجماعية، والنضال ضدها، علينا فهمها أولاً. التقرير الذي نشرناه في “بتسيلم” عن الإبادة الجماعية خاصتنا، فيه قسمان: الأول يصف كيف يتم تنفيذ الإبادة الجماعية باندماج أساليب القتل الجماعي، وتدمير ظروف الحياة، والتفكك الاجتماعي والتجويع، التي يتم تأجيجها بتحريض هستيري على الإبادة الجماعية لدى الرأي العام في إسرائيل. الثاني يتناول كيفية تطور الظروف التي مكنت النظام في إسرائيل من أن يصبح نظام إبادة جماعية.
هذا التحليل قام به فلسطينيون وإسرائيليون يهود معاً، واقتضى منا رؤية الواقع بشكل مشترك. وفي هذا الواقع المشترك، تاريخ وصدمة قومية لليهود، وفيه أيضاً 7 أكتوبر. كل هذه الحقائق لا تقف في تناقض مع حقائق أخرى يصعب استيعابها، لكن لا خيار: اعتبرنا أن الفلسطينيين كمجموعة كانوا دائماً أتباعاً دونيين للنظام الإسرائيلي. بعضهم اعتبروا مواطنين وحصلوا على درجة أعلى بقليل من الحقوق مقارنة مع الآخرين، وبعضهم حصلوا على حقوق أقل، وبعضهم بقوا مهملين تماماً ويواجهون العنف. محظور علينا مواصلة النظر إلى الواقع من خلال الرواية الكاذبة التي أوصلتنا إلى هنا، رواية الفصل، الحرب الخالدة، وأن الشعب سيسكن وحيداً.
الإبادة الجماعية بكونها اعتداء على الإنسانية نفسها، تلزمنا النظر إلى الواقع من نقطة رؤية إنسانية، والنضال معاً على معنى ماذا يعني أن تكون إنساناً. والاعتراف بأن هذه هي قصتنا، قصة أصحاب هذا المكان. قصة طويلة، متعرجة ومعقدة، مؤلمة ودموية، التي وصلت الآن إلى ذروتها، إلى هاوية لا يمكننا تخيل الوصول إليها، ومن غير الواضح متى سنصل إلى القعر.
نحن أيضاً، رجال ونساء “بتسيلم”، نشطاء حقوق الإنسان الذين يعيشون ويتعلمون وينشرون عن عنف تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين منذ سنوات، لم نصدق أن تأتي لحظة وننشغل فيها بجريمة الإبادة الجماعية. خلال أشهر من التحقيق العميق الذي قلبنا في إطاره كل الأمور، شهدنا بأنفسنا الطريقة التي يرفض فيها العقل الحقائق، مثل السم الذي يرغب الجسم في لفظه من داخله. ولكننا الآن نعرف أن هذا السم أصبح موجوداً هنا، وهو حقيقي ويغرق الناس الذين يعيشون هنا، إسرائيليين وفلسطينيين، في خوف وضياع غير معقولين.
نظام الحكم في إسرائيل ينفذ إبادة جماعية. وفي اللحظة التي يتسرب فيها هذا الاعتراف، أصبحنا نعرف ما هي المرحلة القادمة، وفكرنا بهذا الأمر طوال حياتنا، وكنا نسأل فيها أنفسنا كل مرة: “ماذا كنت سأفعل، هناك، في الكوكب الآخر”. لهذا السؤال جواب واحد صحيح فقط وهو: كنت سأفعل كل ما في استطاعتي لوقف الإبادة الجماعية.
يولي نوفيك
هآرتس 1/8/2025
عن (القدس العربي)