مقالات رأي

هل يشهد العراق انقلابا سياسيًا ؟  ادهم ابراهيم 

 


جاءت نتائج الانتخابات العراقية مخيبة للامال في وقت لا تزال البلاد تعاني من ضعف البنية التحتية، وانهيار الخدمات العامة، واستشراء الفساد، في نظام سياسي محكوم بالمحاصصة الطائفية والقومية. ومع غياب الأمل في التغيير الحقيقي، يرى كثير من العراقيين أن الانتخابات ما هي إلا عملية تدوير لوجوه سياسية تستمر لأربع سنوات أخرى، لتعيد إنتاج ذات الطبقة الفاسدة، وتعمّق الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تهدد بقاء الدولة نفسها.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار سطوة الفصائل المسلحة والمال السياسي، في بيئة يغيب فيها الوعي السياسي وتنتشر الأمية والعشائرية والانقسام الطائفي والمناطقي.

تجري هذه الانتخابات تحت أعين واشنطن وطهران، اللتين تتنافسان على التأثير في مسار تشكيل الحكومة المقبلة.
رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني يسعى إلى ولاية ثانية، إلا أن مصير الميليشيات الموالية لإيران يشكل محورًا حاسمًا في تحديد من سيتولى رئاسة الحكومة الجديدة.

الولايات المتحدة، عبر مبعوثها مارك سافايا، أكدت دعمها لجهود بغداد في مواجهة النفوذ الأجنبي، وطالبت بحصر السلاح بيد الدولة، مشددة على ضرورة إخضاع جميع الأجهزة الأمنية لقيادة موحدة. كما أعلنت واشنطن إدراج ست جماعات مسلحة عراقية على قائمة “الجماعات المحظورة”، في إشارة واضحة إلى رغبتها في تقليص نفوذ طهران داخل المنظومة السياسية العراقية.

النفوذ الإيراني في اختيار رئيس الوزراء لم يعد كما كان في السابق، إذ باتت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تلعبان دورًا أكبر في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

نتائج الانتخابات تشير إلى فوز قائمة السوداني بأكثرية الأصوات، لكن ذلك لا يعني قدرته على تشكيل الحكومة الجديدة. فالمعادلة في العراق لا تُحسم بعدد المقاعد، بل بالتوافقات المعقدة وخصوصا بين واشنطن وطهران .

المشهد العراقي يبقى على حاله من الركود، والآمال بالتغيير الحقيقي تتلاشى مع كل دورة انتخابية جديدة. فالنظام السياسي القائم على المحاصصة والولاءات ما زال يحكم قبضته على الدولة .

الانتخابات العراقية الأخيرة ليست سوى فصل جديد من أزمة بنيوية مستمرة، قد لا تفضي إلى سقوط النظام، لكنها بالتأكيد تكرّس انحداره.
في خلفية هذا المشهد، تتصاعد الحرب الباردة بين واشنطن وطهران فوق أرض العراق. فبينما تحاول الولايات المتحدة تقليص نفوذ إيران، عبر فرض عقوبات على فصائل مسلحة وإعلان دعمها لحصر السلاح بيد الدولة، تحاول طهران الحفاظ على خطوطها الخلفية عبر الأحزاب الولائية.
غير أن التغير في موازين القوى الإقليمية، وتراجع الحضور الإيراني، يوحيان بأن القرار هذه المرة قد لا يكون في طهران بل في واشنطن.

وقد تسعى واشنطن إلى ما يُوصف بـ”الانقلاب الناعم” — أي إعادة بناء النظام السياسي من الداخل دون اللجوء إلى القوة، عبر دعم شخصيات أكثر مرونة، والحد من نفوذ الميليشيات .
فواشنطن لا تريد للعراق تغييرا جذريا ، بل تريد نظامًا “مطيعًا” يعيد ترتيب الساحة السياسية بما يضمن مصالحها .
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن ديمقراطية حقيقية ضربًا من الوهم. فالديمقراطية التي لا تضع الكفاءة والنزاهة فوق الانتماء الطائفي والعشائري ليست سوى غطاء جميل لنظام فاشل .
ادهم ابراهيم  

 

زر الذهاب إلى الأعلى