مقالات رأي

هيغسيث والبابا لاون: استدعاء الله للممبر  كرم نعمة

 تخيّل وزير حرب يقف في البنتاغون، يترأس اجتماعاً للصلاة، يرفع رأسه قليلاً، ثم يتلو «آية» من الكتاب المقدّس، قبل أن يتبيّن لاحقاً أن النص مأخوذ من فيلم «بالب فيكشن» الذي أُنتج عام 1994. هذا ما فعله وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، وفق ما نقلته صحيفة «لوس أنجليس تايمز»، حين اقتبس مقطعاً من خطاب صامويل جاكسون في الفيلم، وقدّمه بوصفه نصاً كتابياً يبرّر الحرب على إيران باعتبارها «عدالة إلهية». في الفيلم، يطلق جاكسون النار على رجل أعزل بعد أن يفرغ من تلاوة ذلك النص. في البنتاغون، لا حاجة لإطلاق النار مباشرة؛ فهناك جيوش كاملة وميزانيات فلكية تتكفّل بالباقي. السينما تعترف بأنها خيال، بينما السياسة تتصرّف كأنها وحي. هذا المشهد ليس مجرد زلّة لسان أو سوء اقتباس، بل هو نموذج مكتمل لاستثمار الدين في الفعل السياسي عندما يُنتزع من موضعه الروحي ويُلقى في أحضان الدعاية الحربية. يصبح النص المقدّس مؤثراً صوتياً، خلفية موسيقية لمشهد عسكري، لا مرجعاً أخلاقياً يحاكم هذا المشهد. السياسي هنا لا يختلف كثيراً عن مخرج رديء يسرق مشهداً من فيلم، يضعه في خطبة، ثم يطلب من الجمهور أن يصفّق له بوصفه “رجل إيمان“. وليس غريباً أن يذكّرنا هذا كله بتحذير البابا لاون الرابع عشر الذي تزامن من كلام وزير الحرب الأميركي: «ويلٌ لمن يُسخّر الأديان واسم الله لخدمة أهدافه العسكرية والاقتصادية والسياسية، ويجُرّ ما هو مقدّس إلى أكثر الأمور قذارة وظلمة». الجملة تبدو كأنها كُتبت تعليقاً على اجتماع البنتاغون، لكنها في الحقيقة تشخيص قديم لمرض مستمر: كلما ضاقت الحجج السياسية، استُدعي الله إلى المنبر. كلما اهتزّت شرعية الحرب، رُفعت الآيات على أسنّة الرماح. وكلما احتاج السياسي إلى غطاء أخلاقي، فتح الكتاب المقدّس والقرآن والأولياء والصحابة على الصفحة التي تناسبه، أو استعار نصاً من فيلم وألصقه بالكتاب. لكن المفارقة الأكبر أن هذا الاستخدام ليس حكراً على الولايات المتحدة. في منطقتنا العربية، وفي إيران تحديداً، تحوّل الدين منذ عقود إلى أداة سياسية صريحة، تُستخدم في كل حرب، وكل تعبئة، وكل تشكيل ميليشيا. إيران قدّمت نموذجاً صارخاً في تحويل الدين إلى مشروع عسكري عابر للحدود: من لبنان إلى سوريا إلى اليمن إلى العراق، حيث جرى تشكيل ميليشيات كاملة تحت لافتة «الدفاع عن المراقد» أو «المقاومة»، بينما كانت الأهداف سياسية بحتة. وفي العراق، شهدنا كيف تحوّلت الفتاوى الطائفية إلى رخصة مفتوحة للقتل على الهوية، وكيف استُخدم الخطاب الديني لتبرير عمليات خطف واغتيال وتطهير مناطقي، حتى بدا أن الدين نفسه صار وقوداً لحرب أهلية لا تنتهي. وفي العالم العربي أيضاً، لم تكن الأنظمة أقل براعة في استثمار المقدّس. بعض الدول استخدمت الدين لتثبيت شرعية سياسية متآكلة، وأخرى لتبرير قمع المعارضين، وثالثة لتسويق حروبها بوصفها «معارك وجودية» بين الحق والباطل. وفي كل مرة، كان الدين يُهان مرتين: مرة حين يُختزل إلى شعار سياسي، ومرة حين يُطلب من الناس أن يصدّقوا أن القصف رحمة، وأن العقوبات الاقتصادية تأديب ربّاني، وأن كل ذلك ممهور بختم السماء. التاريخ نفسه يقدّم أمثلة لا تُحصى على هذا الاستخدام: من الحروب الصليبية التي رُفعت فيها الصلبان فوق جيوش تبحث عن الغنيمة بقدر ما تبحث عن «تحرير القبر»، إلى الاستعمار الأوروبي الذي حمل الإنجيل في يد والبندقية في اليد الأخرى، إلى الأنظمة الشمولية الحديثة التي لم تتردد في استدعاء النصوص الدينية لتبرير القمع أو لتجميل الحروب الوقائية. وفي كل هذه الحالات، لم يكن الدين سؤالاً عن العدالة والرحمة، بل أداة تعبئة تُستخدم حين تنفد الحجج السياسية. الإهانة هنا ليست للدين وحده، بل للعقل البشري أيضاً. حين يُطلب من الناس أن يصدّقوا أن الحرب قدر إلهي، وأن الميليشيات «حماة العقيدة»، وأن القتل على الهوية «جهاد»، يصبح الإنسان نفسه ضحية خطاب يجرّد الروح من معناها، ويحوّل الإيمان إلى سلاح دعاية. وهكذا يُسخّر المقدّس لخدمة أكثر الأمور قذارة وظلمة، تماماً كما قال البابا لاون، وكأن التاريخ يعيد نفسه بلا خجل. ما فعله وزير الحرب الأميركي ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تدنيس المقدّس باسم المصلحة. وما فعلته إيران في حروبها، وما فعلته الميليشيات في العراق، وما فعلته أنظمة عربية كثيرة، ليس سوى الوجه الآخر للمشهد نفسه: استخدام الدين كأداة سياسية، لا كقيمة روحية. وفي كل مرة، يدفع الناس الثمن: أجسادهم، أرواحهم، وحقهم في أن يكون الدين مساحة للطمأنينة لا منصة لإطلاق النار. في النهاية، يبقى السؤال معلّقاً: لماذا يستمر هذا الاستخدام رغم كل الكوارث التي خلّفها؟ ربما لأن الدين، حين يُستثمر سياسياً، يمنح صاحبه ما لا تمنحه أي أيديولوجيا أخرى: شعوراً بالتفوق الأخلاقي غير القابل للنقاش. فأنت لا تختلف مع وزير أو جنرال أو قائد ميليشيا، بل – وفق روايتهم – تختلف مع «إرادة الله وال البيت والصحابة» كما يفهمونها هم. وهنا يصبح الاعتراض خيانة، والنقد تجديفاً، والشك ضعف إيمان.

صفحة الكاتب على منصة X

زر الذهاب إلى الأعلى