فكر وفن

الطغاة .. يجلبون الغزاة كاظم المقدادي  *

اسوء ما في الحياة السياسية والاجتماعية ، ان تجد نفسك .. مع طرف اجنبي ضد طرف عراقي من اهل البلد ، وتكون مع دولة اجنبية ضد دولة عربية واسلامية ..!!

هذا التحول النمطي الخطير ، خارج الأعراف و المألوف ، وخارج قناعات الواصف والموصوف , سببه ارتهان زعامات هي اصلاً ربطت مصالحها ومصيرها مع طرف اجنبي آخر ، خوفاً من ضياع السلطة، فأصبح هذا الاجنبي البعيد ، شريكاً يدير الدولة ، ويسيطر على اقتصادياتها ومستقبلها .. والأخطر ، هو بهذا التحول الحاصل في المفاهيم والقناعات والمشاعر ، والذي يشكل فقداً صارخاً للحس الوطني..!!

وعندما يوجّه طاغية العصر ترامب خطابه المذل و الاستفزازي المستمر لقيادات الاطار التنسيقي .. لا غياً سيادة العراق ، ومستهتراً عابثاً بمشاعر العراقيين .. كل هذا سببه تعنت وفساد جهلة السياسة من الذين لا يفهمون منها .. سوى توزيع المناصب ، وتعظيم المواكب ، وتثبيت المراتب ،و المال العام نهباً مفضوحاً وكأنه ( صحن هريسة) يوزع بالمجان..!!

هنا ادعوكم ..

إلى اعادة قراءة موضوع كتبته في السابق و تناوله الآن الاستاذ مهند النعيمي تحليلا مبصراً ومجدياً وتنويراً ساطعاً لظاهرة (الطغيان ) التي تواجهنا من الداخل والخارج معاً :

(قراءة مكثفة في آليات تشكّل الطغيان)

تضمن مقال المقدادي ” طغطغة” لا بوصفه انحرافاً فردياً معزولاً ، بل كنتاج اجتماعي ـ سياسي تشارك في صناعته الجماعة قبل أن تقع ضحيته، وهو ما يمنح النص بعده النقدي والفلسفي العميق ، إذ ينتقل من توصيف الطاغية إلى تفكيك الشروط التي تسمح بولادته واستمراره .

فالانطلاق من كتاب “هندسة الطاغية” ليس إحالة معرفية عابرة، بل مدخل لإعادة طرح سؤال قديم متجدد:

هل الطغيان قدرٌ يفرض نفسه من أعلى ، أم بنية تُصنع من أسفل حين تتواطأ الفوضى مع الخوف ، والتسيب مع الحاجة إلى المنقذ ؟

في هذا السياق، يضع المقدادي، الطاغية، في قلب لحظة أزمة، حيث تنهار الدولة بوصفها منظومة مؤسسات، ويبحث المجتمع عن يد قوية تعيد النظام بأي ثمن.

هنا يظهر الطاغية بملامح البطل، لا لأنه يحمل مشروعاً أخلاقياً أو سياسياً، بل لأنه ينجح في توظيف الرغبة الجماعية في الاستقرار.

هذه اللحظة تمثل ما يمكن تسميته “تفويض الخوف”، حيث تتخلى الجماعة طوعاً عن جزء من حريتها مقابل وعد بالأمان، من دون أن تدرك أن هذا التفويض لا يُسترد لاحقاً.

فالطاغية لا يتوقف عند حدود الأزمة التي جاء بسببها، بل يحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والضرورة إلى أيديولوجيا دائمة تبرر تمدده الشخصي.

إن أخطر تحولات الطاغية تبدأ عندما يتماهى مع الدولة، فلا يعود حاكماً لها بل يصبح تجسيداً لها، يحتكر التشريع والتجريم، ويعيد تعريف المصلحة العامة على وفق مقاس بقائه في السلطة.

عند هذه النقطة، تتحول أدوات الدولة إلى ملكية خاصة: جهاز أمني خاص، سجون خاصة، عنف مُشرعن بإسم الأمة، فتغدو الدولة من فضاء قانوني إلى فضاء قهري، ومن مؤسسات إلى “مسدسات“.

هذا التحول لا يُنتج فقط قمعاً سياسياً، بل يعيد تشكيل الوعي العام، حيث يُقنع الناس بأن العنف ضرورة، وأن قتل المعارضين فعل وطني.

يشير النص إلى انهيار منظومة القيم عند الطاغية، لكنه يلمّح في العمق إلى انهيار أخطر، هو تدمير القيم السياسية ذاتها، إذ تُفرغ مفاهيم مثل الشرعية، والمصلحة، والواجب من محتواها الأخلاقي، وتُستبدل بمنطق القوة والولاء.

لذا لا يعود الطاغية معنياً بالوفاء أو العهد، لأنه لا يرى في السياسة عقداً اجتماعياً، بل ساحة صراع صفري لا مكان فيها إلا للغالب.

ولهذا يبدو “تراث الطاغية” أعمق مما يُتصور، لأنه لا يزول بسقوط الشخص، بل يترسخ كثقافة خوف وطاعة وتشويه للمعنى.

ويبلغ النص ذروة دلالته حين يكشف عن قدرة الطاغية على ارتداء كل الأزياء: الديني، والعسكري، وحتى أزياء خصومه، في إشارة إلى براغماتية سلطوية خالصة، لا تؤمن بفكرة إلا بقدر ما تخدم استمرارها.

هذا التلون ليس ذكاء سياسياً، بل فراغ أخلاقي، يسمح للطاغية بابتلاع كل الرموز وتحويلها إلى أدوات دعاية، ما يؤدي إلى تمييع الحدود بين المقدس والعنف، وبين الدولة والعصابة.

في خاتمته الضمنية، يضع النص فاصلاً حاسماً بين “رجل السلطة” و”رجل الدولة”، فالأول يبني القصور لخلود اسمه، والثاني يبني المؤسسات لخلود المجتمع.

بهذا المعنى، لا يهاجم “طغطغة” الطاغية وحده، بل يحاكم البنية التي تنتجه، ويحذر من أن أخطر أشكال الطغيان هي تلك التي تولد من خوف الناس، وتستمر بصمتهم، وتترك وراءها دولة مدمَّرة حتى بعد زوال الطاغية نفسه.

  • طغطغة ” صفحة 30 من كتاب ” ديمقراطية الفرجة

*اكاديمي وصحفي عراقي

زر الذهاب إلى الأعلى