العالم بين الهيمنة الأمريكية والتغوّل الإيراني ادهم ابراهيم

في مشهدٍ دولي معقّد، تبدو العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها صراع مفتوح على كل الاحتمالات، لكن التدقيق في مسارات الأحداث يكشف عن صورة أكثر تركيبًا: صراع مُدار، لا يُراد له أن يُحسم، بل أن يستمر كأداة لإعادة تشكيل موازين القوى عالميًا.
تسعى الولايات المتحدة ظاهريًا إلى توجيه ضربة قاسية للنظام الإيراني لإجباره على الامتثال لمطالبها، وعلى رأسها كبح برنامجه النووي، وتقليص نفوذه الإقليمي، والحد من تطوير صواريخه الباليستية. غير أن هذه التهديدات، رغم حدّتها، لا تعكس بالضرورة رغبة حقيقية في إسقاط النظام، بل تشير إلى استراتيجية أعمق تقوم على “الاحتواء المُتحكَّم فيه”. فبقاء إيران كقوة مزعزعة للاستقرار يخدم، من منظور براغماتي، أهدافًا أمريكية في إدارة التوازنات الإقليمية وابتزاز القوى الحليفة.
واشنطن، في هذا السياق، لا تريد نهاية الصراع، بل استمراره ضمن حدود محسوبة. فهي تضغط اقتصاديًا عبر منع تصدير النفط الإيراني، بينما ترد طهران بتهديد البنية التحتية للموانئ وإمكانية إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تعجز أمريكا عن فتح مضيق هرمز ؟
الإجابة الأقرب للواقع: لا. فالقدرة العسكرية الأمريكية كفيلة بإعادة فتح المضيق خلال وقت قصير. لكن المسألة لا تتعلق بالقدرة، بل بالإرادة السياسية. فإبقاء المضيق مغلقًا أو “شبه مغلق” يحقق مكاسب استراتيجية هائلة، أبرزها الضغط على أوروبا والصين، اللتين تعتمدان بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج.
في هذا الإطار، يتقاطع التصعيد في الخليج مع صراعات أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا، حيث تتحول الطاقة إلى سلاح جيوسياسي. الضربات المتبادلة الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا على منشآت الطاقة، والتي جاءت في سياق دعم غربي لكييف، أدت إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية. أوروبا، التي تعاني أصلًا من نقص الإمدادات، تجد نفسها بين نارين: الحاجة إلى الطاقة، والالتزام بالسياسات الأمريكية.
من هنا، يمكن فهم ما يُنسب إلى دونالد ترامب من هوس بموارد الطاقة العالمية، ليس كتصريح عابر، بل كجزء من رؤية استراتيجية أوسع ترى في التحكم بالطاقة مفتاحًا للهيمنة الاقتصادية والسياسية. فارتفاع أسعار الطاقة يضعف الصين كمستورد رئيسي، ويزيد من تبعية أوروبا ، مما يعزز النفوذ الأمريكي عالميًا.
لكن جوهر الاستراتيجية الأمريكية لا يكمن فقط في إدارة الصراعات، بل في توظيفها. إيران، في هذا السياق، ليست مجرد خصم، بل أداة ضغط. وجودها كقوة تهديد دائم لدول الخليج يدفع هذه الدول إلى تعزيز تحالفاتها العسكرية مع واشنطن، وشراء المزيد من الأسلحة، وفتح أراضيها للقواعد العسكرية. وهكذا، يتحول الخوف إلى سوق، والأمن إلى سلعة.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يجب أن يبقى النظام الإيراني؟
الجواب، وفق هذا المنظور، بسيط وصادم في آنٍ واحد: لأن وجوده يخدم مصالح متعددة. فهو يبرر الوجود العسكري الأمريكي، ويُبقي دول المنطقة في حالة استنفار دائم، ويضمن استمرار تدفق الأموال نحو الصناعات العسكرية الأمريكية، ويعزز أمن إسرائيل ضمن توازنات محسوبة.
ولا يقتصر هذا النهج على الشرق الأوسط. فالعالم بأسره يبدو كساحة شطرنج تُحرّك فيها واشنطن أدوات متعددة:
أوكرانيا في مواجهة روسيا،
تركيا كورقة ضغط في شرق المتوسط،
أفغانستان كعامل عدم استقرار في آسيا الوسطى،
وبنغلادش ضمن توازنات جنوب آسيا.
هذه الشبكة من الأزمات تُنتج حالة عالمية من القلق وعدم اليقين، تدفع الدول إلى التسلح، وتعزز مكانة الدولار كعملة مهيمنة. فالدول التي تشتري السلاح والطاقة بالدولار، تعود لتستثمر فوائضها في سندات الخزينة الأمريكية، مما يُبقي الدورة الاقتصادية الأمريكية في حالة نشاط دائم.
أما الدول التي تحاول الخروج عن هذا النسق، فغالبًا ما تواجه سيناريوهات معروفة: اضطرابات داخلية، حروب أهلية، ضغوط اقتصادية، أو حتى تدخلات مباشرة وغير مباشرة.
في هذا السياق، يصبح الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل للقضاء على إيران مجرد قراءة سطحية. الواقع، وفق هذا التحليل، أكثر تعقيدًا: واشنطن تحتاج إلى إيران قوية بما يكفي للتهديد، وضعيفة بما يكفي لعدم الانتصار. إنها لعبة “القط والفأر” التي تُبقي المنطقة في حالة فوضى مُدارة، وتُبقي الدولار في قلب الحركة الاقتصادية العالمية.
إنها ليست حروبًا تقليدية، بل إدارة أزمات. الولايات المتحدة لا تدخل كل الحروب مباشرة، لكنها تُشعل الكثير منها، وتُدير مساراتها من بعيد، مستفيدة من بعدها الجغرافي عن بؤر التوتر، ومن قدرتها على التحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي.
في النهاية، يبدو العالم وكأنه يعيش تحت مظلة استراتيجية “أمريكا أولاً”، حيث تُعاد صياغة التوازنات الدولية عبر صراعات اقتصادية وجيوسياسية ممتدة. وبين الهيمنة الأمريكية والتغول الإيراني، تبقى الحقيقة الأبرز: أن الصراع ليس دائمًا من أجل الحسم، بل كثيرًا ما يكون من أجل الاستمرار.
ادهم ابراهيم