فكر وفن

“اندلاع” السلام   عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكّر

 

عنوان اقتبسته من الصديق محمد كامل عارف، وهو استقاه من نكتة كنّا نتداولها من زمن خروتشوف تقول “اندلع السلام العالمي، ولم يُبق حجرًا على حجر”، ذلك هو السلام المفقود، حيث ما زالت شعوبنا تنوء تحت ثقل عدوان مستمر وحرب مستديمة.

 ومحمد كامل عارف من ألمع صحفيي الستينيات، جمع بين التأهيل الأكاديمي والممارسة العملية، حيث اكتسب خبرة طويلة من عمله بالصحافة العراقية، ومن صحيفة الحياة اللندنية وصحيفة الاتحاد الإماراتية خلال الثلاثين عامًا ونيّف المنصرمة.

وكنت قد كتبت سابقًا أنه أول من لفت انتباهنا إلى الذكاء الاصطناعي منذ مطلع التسعينيات، وعرّف بالعلماء العرب، وتوقف طويلًا عند زها حديد ورافقها في العديد من مشاريعها وكتب عنها. وجمعت شقيقته الإعلامية كفاح كامل عارف بعد رحيله مقالاته الروسية في كتاب صدر عن دار نوار للنشر، بغداد – موسكو، 2022.

يمتاز أسلوب محمد كامل عارف، كما هي شخصيته، بالرصانة والقوة من جهة، مثلما يمتاز بالظرافة وخفة الدم من جهة أخرى، إضافة إلى ثقافته الموسوعية، وقد تمكّن مبكرًا من التخلّص من تأثيرات الأيديولوجيا، بما فيها من نسقية وانغلاق، لذلك سعى إلى اقتحام أماكن غير مطروقة، بل وعرة، وبحسّه الصحفي الذي كان يبحث فيه عن الحقيقة ليزاوجها بالمعرفة، قدّم قراءات سيسيوثقافية للمشهد السياسي العراقي والعربي، إضافة إلى جرأته الضرورية في كشف الحقائق، حيث امتلك عقلًا رؤيويًا فاعلًا، ومنح نفسه قسطًا وافرًا من الحريّة والاستقلالية ليكون متميزًا.

 وأتذكر أن من أولى المقابلات التي أجراها في العراق والمقالات التي كتبها أثارت تساؤلات عديدة، إذْ خلُص إلى احتمال صعود تيار حزب البعث إلى السلطة مجددًا، وذلك عقب هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967، فقد استقرأ ذلك من ضعف حكم عبد الرحمن عارف ودعواته للرئيس أحمد حسن البكر لحضور اجتماعات القصر.

لم يكن محمد كامل عارف تقليديًا في عمله الصحفي أو في حياته الشخصية، ومثله كذلك شقيقه الأصغر القاص والروائي محمود البياتي، فهو لم يكتف بالقراءة والمعرفة من الكتب، بل كان يبحث بالتفاصيل ويغوص في عمق المجتمع، وهو ما فعله حين كان طالبًا في الاتحاد السوفيتي السابق، كما تقول الصحفية المتميزة سلوى زكو.

غالبًا ما تبدأ مقالة عارف باقتباس له معنى مثل ما له دلالة، ومن هذا الاقتباس ينطلق للتعريف بموضوعه ليصل إلى نهايته أحيانًا بقفلة جديدة يكرّر فيها الاقتباس مرّة أخرى، وقد امتلك لغةً شفيفةً وجملةً أنيقةً، وكانت الحروف تستجيب له، بل تكون طوع بنانه، حاضرة وملبّية جوهر الفكرة التي يريد التعبير عنها بأسلوب شائق، وفي الكثير من الأحيان يطعّم مقالاته بحِكمٍ لشعوب وأمم، دون نسيان هويّته العربية، ويردّد بين حين وآخر أن الأسرار الكبيرة معروفة، وعلينا البحث عن الأسرار الصغيرة.

احتلت صورته مجلة ألف باء البغدادية في العام 1969 مع رائد الفضاء ألكسي ليونوف، أول إنسان مشى في الفضاء المفتوح، وحين يكتب عن “أمّنا روسيا”، كما يسميها الروس، يتذكّر صديقته ناتاشا، ثم يعود ليقول إن الرئيس بوتين زميله، حتى وإن تخرّج بعده من جامعة بطرسبرغ في العام 1975، ثم يكتب مقالةً عن الرئيس ترامب في دورته الأولى، بعنوان “ترامب والقطة”، مستشهدًا بالكاتب الهزلي الأمريكي مارك توين بالقول: “الشخص الذي يرفع القطة من ذيلها يتعلم شيئًا لا يمكن أن يتعلّمه بطريقة أخرى”، وقد رفع ترامب ذيل السلطة السياسية كما لم يفعلها رئيس أمريكي قبله.

ويتناول الجيوبوليتيكا بفقرة عن الرقص ويقتبس من الكاتب الهزلي الفرنسي موليير قوله “جميع علل البشرية، وكل مآسي سوء الحظ، التي تملأ كتب التاريخ وجميع التخبطات السياسية، وكل فشل الزعماء الكبار سببها مجرد الافتقار إلى مهارة في الرقص”.

ومن شكسبير يقتبس القول على لسان الملك لير الذي أصيب بالعمى “لا تعطني عينين فأنا أتعثّر عندما أرى”، وهكذا تتعثر السلطات الحاكمة بما عندها، ويشير في مقالة أخرى عن تحكم الهزل بالسياسات العالمية، كأن الشرق والغرب يخوضان سباق تسلح في السخرية الحزينة.

ويكتب عن رحيل بريجنسكي الذي يدرجه ضمن قائمة مصادره، ولاسيما كتاب “أمريكا والعصر التكنوتروني” وعن حاجه روسيا إلى ثورة في الثورة. وعن روسيا القصوى والغد العربي وعن موسكو وبكين وتفاهم الأمم، ويتناول مفارقات العولمة بعنوان مثير “يا حكومات العالم اتّحدوا” (اتّحدي)، ويردّد مع ابن خلدون “الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء”، وذلك تعليقًا على رواية الحرب والسلام لتولستوي.

أعود إلى اقتباسي لعنوان المقالة بصدد اندلاع السلام، فهل ستفضي مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران إلى اتفاق؟ وهل سيكون ثمة دور روسي كما حصل في اتفاقية العام 2015؟ علمًا بأن التفاوض السابق استمرّ 20 شهرًا، وقد اعتبر الرئيس أوباما أن دور روسيا كان حاسمًا.

وأتساءل هل ستكون العودة إلى الاتفاق السابق ممكنة وهو الذي يقع في 159 صفحة؟ وقد نصّ على رفع العقوبات عن إيران مقابل تقليل 98% من مخزونها لليورانيوم المخصّب، وإلغاء ثلث أجهزة التخصيب، وإتاحة الفرصة لوكالة الطاقة الذريّة للتفتيش، وإذا كان مثل ذلك الاحتمال واردًا، فلماذا إذًا وقعت الحرب؟

هناك من يقول لإنجاز الاتفاق النهائي فالأمر يحتاج إلى 6 أشهر على أقل تقدير، كما يتطلّب ذلك مبادرات من شأنها تمهيد الطريق للاتفاق، ولعلّ وقف العمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز هما الخطوة الأولى المتبادلة لتذليل العقبات.

 يكفي أن أشير إلى أن التفاوض حول الفقرات النهائية من اتفاق العام 2015 استغرق 17 يومًا متّصلة، وهي تتعلق بالأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية الإيرانية.

وعلى طريقة محمد كامل عارف أختتم باندلاع السلام ثم ماذا بعد…!؟

أكاديمي ومفكّر

 

زر الذهاب إلى الأعلى