دعوة لعودة النشاط السياسي داخل السودان د. الشفيع خضر سعيد

إثر إندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 في السودان وإتساع دائرة القتال والقتل العشوائي، ولأجل الحفاظ على الأرواح، كان طبيعيا ومبررا خروج القيادات المدنية والسياسية، وإنتقالها بالنشاط السياسي والمدني إلى خارج البلاد. ولكن، يظل هذا الإنتقال مؤقتا وإستثناءا له مبرراته الموضوعية والمقبولة، بينما الأصل هو ممارسة العمل السياسي داخل البلاد. وتجربة الحركة السياسية السودانية منذ الاستقلال وحتى اليوم، تؤكد أن العمل السياسي الحقيقي لا يزدهر إلا في قلب الوطن بين الناس وعلى أرض الواقع. وأن محاولات الإكتفاء بممارسة النشاط الحزبي والسياسي من خارج البلاد، مهما حسنت النوايا ومهما كانت التبريرات، ستظلّ محدودة الأثر، وبعيدًة عن نبض الشارع، ومعرّضًة للارتهان لتوازنات وضغوط لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية. ولعل أكبر أزمة تواجه القيادات الحزبية المستقرة في الخارج هي فجوة التأثير على الأرض بتجلياتها المختلفة. فهناك الفجوة الميدانية، أي الإنعزال عن الفاعلين الحقيقيين داخل السودان الذين يقدمون اليوم الخدمات المباشرة للمواطن في شكل إغاثة، وإسعاف، وتنظيم مجتمعي. وهناك فجوة الخطاب، حيث المواطن المنهك بالحرب يريد الأمن والغذاء قبل الشعارات الكبرى. وفجوة الثقة، حيث كثير من الناس يرون أن النخب السياسية ساهمت، بصورة أو بأخرى، في ما آلت إليه البلاد من إنهيار. إن السياسة ليست مجرد بياناتٍ تُصاغ في المنافى، ولا مواقف تُعلن عبر شاشات الفضائيات وفي الوسائط الإجتماعية، بل هي تفاعل يومي مع الواقع، وبناء ثقةٍ متدرّج مع المواطنين. ومن دون الحضور الميداني، والقدرة على التنظيم، والتواصل المباشر مع الجماهير، يفقد العمل السياسي قوته، بل وشرعيته.
ومن هنا تأتي دعوتنا للقوى المدنية والسياسية أن تتحدى الظروف وتقاوم محاولات محوها من الذاكرة ومحاولات ترهيبها بمحاصرتها بإتهامات بالعمالة وخيانة الوطن، وتعود لفتح مقارها داخل السودان وممارسة نشاطها بالداخل، دون أن تتخلي عن نشاطها الخارجي. إن عودة النشاط السياسي والحزبي إلى داخل البلاد حق أصيل، لا يتطلب إستئذانا أو يشترط مساومة مع أي جهة كانت، وهو ضرورة قصوى حتى لا تترك الساحة ليسرح فيها ويتمكن منها أعداء السلام والديمقراطية والمستقبل. والدعوة أساسا يقصد بها عودة المؤسسات قبل الأفراد، وهي لا يمكنها تجاهل المخاطر الأمنية وما يتهدد حرية وحياة القيادات السياسية. صحيح الحرب بتداعياتها السالبة والخطيرة تجعل هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، في ظل عسكرة المجال العام وتصاعد نفوذ القوى العسكرية والمليشيات على حساب القوى المدنية، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات أمنية أو تخوينية. وحيث يتم تضييق المساحات المتاحة للنشاط الحزبي والعمل الجماهيري، وممارسة الاعتقال والتهديد المباشر للناشطين والسياسيين، وصعوبة الحركة الميدانية وعقد الاجتماعات، وصعوبة تنظيم عمل سياسي مؤسسي في ظل غياب دولة فاعلة، بالإضافة إلى الاستقطاب الحاد وانقسام المجتمع بين روايات الحرب المختلفة، وتوظيف الخطاب العاطفي والجهوي، وصعوبة بناء تحالفات عريضة في ظل الشكوك المتبادلة، فضلا عن تفاقم الأزمة الإقتصادية والإنسانية وانشغال المواطن بتأمين احتياجاته الأساسية، وتراجع إهتمامه بالشأن السياسي لصالح البقاء اليومي.
هذه التحديات والعقبات جدية، وتهدد إحياء النشاط السياسي والحزبي داخل السودان، ويمكن أن تشل حركته إذا إستسلم ولم يقاوم. ولكن، الأصل في العمل السياسي المقاومة والتضحيات وعدم الإستسلام، وابتداع اساليب عمل جديدة في الظروف الراهنة، خاصة مع توفر العديد من الفرص التي تعزز إمكانية عودة العمل السياسي داخل البلاد، ومنها: تآكل شرعية السلاح كأداة حكم، وأن إستطالة أمد الحرب تؤدي إلى إنهاك المجتمع وخلق رغبة واسعة في حل سياسي مدني، مما يفتح المجال أمام قوى تقدم خطاباً عقلانياً وسلمياً. لكن، يظل العامل الحاسم بالنسبة لفرص العمل السياسي داخل البلاد هو التنظيم والرؤية. ففي ظل عسكرة السياسة، لا يكفي الخطاب الأخلاقي، بل لابد من تنظيم محكم ومرن، شبكات لا هياكل هشة، وبرنامج واضح يجيب على سؤال: كيف تنوقف الحرب وماذا بعد الحرب؟، وخطاب غير إقصائي يقلل الاستقطاب، وبناء تحالفات عابرة للجهويات والأيديولوجيات.
لقد كشفت الحرب عن هشاشة البنية الحزبية التقليدية، مقابل صعود فاعلين مدنيين جدد، خاصة لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية، الذين حملوا عبء الاستجابة الإنسانية في غياب الدولة. هذه المنظمات القاعدية تمثّل أحد أهم تجليات الوعي الشعبي والتنظيم الذاتي في السودان المعاصر. فهي نشأت من رحم شوارع الأحياء، ومن معاناة المواطنين اليومية، وحملت همومهم بصورة مباشرة وصادقة. لقد مثّلت لجان المقاومة مدرسةً في الديمقراطية الشعبية، ومختبرًا لتجربة القيادة الجماعية، وصوتًا للشباب الذي أعاد تعريف السياسة باعتبارها خدمةً للشأن العام. أما غرف الطوارئ، فقد جسّدت في أوقات الحرب والانهيار المؤسسي نموذجًا رفيعًا للتكافل المجتمعي، حين تولّت مهام الإغاثة، وتوفير الغذاء والدواء، وتنظيم الدعم للمتضررين. إن إدماج هذه المنظمات في مشروع سياسي وطني، دون احتوائها أو تذويب استقلاليتها، يُعدّ ضرورةً لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والمجتمع. فهي ليست كيانات هامشية، بل هي رصيدٌ استراتيجي لأي عملية انتقال ديمقراطي حقيقية.
السودان اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة بناء المجال العام من الداخل، وإحياء الروح المدنية التي عبّرت عنها ثورة ديسمبر العظيمة. وإعادة البناء تتم عبر صناعة البدائل الفعالة. وهي بدائل لن تُصنع في الخارج، مهما تعاظم الاهتمام الدولي، بل في أحياء السودان ومدنه وقراه، عبر تنظيمٍ قاعديٍ واعٍ، وقيادةٍ متجددة، وتحالفٍ مدنيٍ واسع، ومشروعٍ وطنيٍ جامع يحمي وحدة البلاد ويصون كرامة مواطنيها. والعمل السياسي داخل السودان ليس خيارًا سهلاً، بل هو طريقٌ محفوف بالمخاطر والتضحيات، لكنه الطريق الوحيد القادر على إحداث التغيير الحقيقي. صحيح، الخارج قد يوفر دعمًا أو مساندة، لكنه لا يمكن أن يعوّض غياب الجذور، لأن السياسة حين تتجذر في المجتمع، وتنبع من إرادته، فإنها تصبح قوةً لا تُقهر، وأملاً لا ينطفئ.
د. الشفيع خضر سعيد