تقارير إخبارية

سلاح التجويع في غزة: رغيف الخبز يتحول إلى أداة ابتزاز سياسي ومعاناة إنسانية

 

لم يعد الحصول على رغيف الخبز في قطاع غزة مجرد تفصيل يومي روتيني، بل استحال إلى معركة بقاء تعكس عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها أكثر من 2.2 مليون فلسطيني. هذا التحول من الوفرة إلى الندرة القاتلة يجسد انهياراً كاملاً في المنظومة التي كانت تؤمن الحد الأدنى من الأمن الغذائي للسكان المحاصرين.

تشير البيانات الميدانية إلى فجوة هائلة في الإمدادات، حيث يحتاج القطاع يومياً إلى نحو 450 طناً من الطحين لتلبية الاحتياجات الأساسية، بينما لا تتوفر فعلياً سوى كميات شحيحة لا تتجاوز 200 طن. هذه الأرقام تعني عملياً أن آلاف الأسر الفلسطينية تبيت ليلها دون الحصول على حصتها من الخبز، مما يحول النقص إلى واقع دائم.

قبل التصعيد الأخير، كانت غزة تعتمد على شبكة متطورة من المخابز التجارية والآلية ذات القدرة الإنتاجية العالية. أما اليوم، فقد تقلصت هذه الشبكة بشكل حاد، حيث تفيد تقارير دولية بأن 9 مخابز فقط لا تزال تعمل من أصل 30 مخبزاً كانت تتلقى دعماً مباشراً لتوفير الخبز بأسعار مقبولة.

تتراوح نسبة عمل المخابز التي استطاعت العودة للإنتاج بين 30% و50% في أفضل حالاتها، وهي تعتمد بشكل كلي على ما يوفره برنامج الغذاء العالمي من طحين وخميرة. هذا التراجع الحاد يعكس هشاشة البنية التحتية الإنتاجية التي استُهدفت بشكل مباشر أو غير مباشر خلال العمليات العسكرية المستمرة.

يبرز دور المنظمات الدولية كبرنامج الغذاء العالمي والمطبخ العالمي كفاعل رئيسي في محاولة احتواء الكارثة عبر توزيع مئات آلاف الوجبات يومياً. ومع ذلك، يظل هذا الدور مقتصراً على إدارة الأزمة دون تقديم حلول جذرية، في ظل سياسة الاحتلال التي تعتمد ‘الإغاثة المقننة’ كأداة للتحكم.

إن نموذج التدفقات الخارجية المحسوبة بدقة يبقي سلاح التجويع حاضراً كخيار استراتيجي يمكن تفعيله عند أي إغلاق للمعابر أو نقص في الوقود. وبمجرد نفاد الطحين أو الطاقة، تتوقف المنظومة الإغاثية بالكامل، مما يفسح المجال لظهور شبح المجاعة في مختلف مناطق القطاع.

تعد أزمة الوقود والطاقة عاملاً حاسماً في تعطيل ما تبقى من قدرات إنتاجية، حيث سجلت أسعار السولار ارتفاعاً قياسياً بنسبة 438%. هذا الارتفاع غير المسبوق جعل تشغيل الأفران الآلية أمراً مكلفاً للغاية وغير عملي في ظل غياب بدائل الطاقة المستدامة وشح غاز الطهي.

الخبز في غزة ليس مجرد غذاء، بل تحول إلى مؤشر صارخ على حدود العدالة الدولية وسلاح يستخدمه الاحتلال لتقنين الإغاثة.

إلى جانب نقص الوقود، تبرز معضلة غياب قطع الغيار والمعدات اللازمة لصيانة الأفران التي تضررت بفعل القصف. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى قفزة جنونية في أسعار الخبز وصلت إلى 400%، مما أخرج هذه السلعة الأساسية عن متناول شريحة واسعة من الفقراء والنازحين.

لم تقتصر الأزمة على نقص العرض، بل امتدت لتشمل خللاً بنيوياً في آليات التوزيع وظهور أنماط من الاحتكار والسوق السوداء. المخابز المحلية وجدت نفسها في مواجهة معادلة مستحيلة بين تكاليف التشغيل الباهظة وخطر الاستهداف المباشر للعاملين والمنشآت في الميدان.

المخابز الآلية التي كانت تنتج سابقاً نحو 100 ألف رغيف يومياً، تعمل الآن بأقل من نصف طاقتها في أحسن الأحوال. غياب القدرة على إعادة التأهيل الفني ونقص المواد الخام جعل الإنتاج يتراجع إلى مستويات دنيا لا تلبي الحد الأدنى من الطلب المتزايد في مراكز الإيواء.

تتجلى التداعيات الصحية لهذه الأزمة في تزايد حالات سوء التغذية الحاد، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل. كما لجأ أكثر من 55% من السكان إلى استخدام وسائل بدائية وخطيرة للطهي، مثل حرق البلاستيك والأخشاب، مما يضيف مخاطر صحية تنفسية إلى معاناة الجوع.

اقتصادياً، تسببت أزمة الخبز في انهيار القدرة الشرائية المتهالكة أصلاً وفقدان آلاف فرص العمل في قطاع المخابز والخدمات المرتبطة به. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن نحو 41% من السكان فقدوا قدرتهم المستقرة على الوصول للغذاء، مما ينذر بكارثة اجتماعية طويلة الأمد.

على الصعيد القانوني، تثير هذه الأزمة المصطنعة تساؤلات جوهرياً حول فاعلية القانون الدولي الإنساني الذي يحظر استخدام التجويع كوسيلة حرب. إن استمرار عرقلة وصول الإمدادات الغذائية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني للوفاء بالتزاماته تجاه المدنيين في المناطق المحاصرة.

في الختام، تظل أزمة الرغيف في غزة شاهداً على سياسة العقاب الجماعي المنهجية التي تتجاوز مجرد نقص الموارد لتصل إلى استهداف الكرامة الإنسانية. إن ضمان الحق في الغذاء ليس مطلباً إغاثياً فحسب، بل هو اختبار لمدى قدرة العالم على الانتصار لقيمه في القرن الحادي والعشرين.

عن  (القدس) الفلسطينية

زر الذهاب إلى الأعلى