سيدة زحل لم تنتم إلى العراق المزيف كرم نعمة *
رحيل الروائية العراقية لطفية الدليمي في منفاها بعمّان بعد مسيرة أدبية كرستها لفضح ثقافة الابتذال والدفاع عن هوية بغداد.

سيدات زحل الراحلات ابتسام عبدالله ولطفية الدليمي

كرم نعمة *
كانت لطفية الدليمي، سيدة زُحل، واحدة من تلك الأرواح التي ترفض أن تُختزل في سيرة أو كتاب أو جملة. امرأة كتبت حياتها كما تُكتب الروايات التي لا تُصدّق إلا لأنها صادقة حدّ الألم. حين أعود إلى روايتها “سيدات زحل”، لا أجد نفسي أمام نصّ روائي فحسب، لم تكن عملا أدبيا بقدر ما كانت مرثية مبكرة لبلادٍ فقدت ملامحها، ولنساءٍ دفعن ثمن الخراب قبل أن يكتمل الخراب نفسه، مرآة واسعة لم نكن نملك الشجاعة لننظر إليها مباشرة. من يقرأ الرواية لا ينتهي إلى ألم لطفية وحدها، بل إلى تلك المتاهة التي وُضعت فيها المرأة العراقية منذ أن تسلّم حفّارو القبور وتجار الطوائف مفاتيح البلاد، وراحوا يبثّون إشارتهم فوق موجة عراقٍ بقيت معلّقة، لا أحد يريد أن يلتقطها.
أتذكّر أنني حين أنهيت الرواية شعرتُ بخوفٍ حقيقي على أم آيار العزيزة، خوف يشبه أن ترى ظلاً يتحرك في غرفة فارغة. اتصلت بها يومها مفجوعاً، كأن الرواية كانت نبوءة تخصّها وحدها. ردّت عليّ بصوتها الهادئ: “اطمئن يا كرم العزيز، أنا بخير”. لكن الحقيقة أنها لم تكن بخير منذ أن سقطت البلاد في لجة الجحيم، ومنذ أن اقتحم الجنود الأميركيون منزلها الوديع وتركوه كما تُترك البيوت التي فقدت أصحابها. لم يعد لها مكان في تلك البلاد التي فقدت ملامحها، فغادرت لطفية العراق المحتل، عاشت بضع سنوات في باريس وبعدها قضت ما بقي من حياتها في الأردن، لكنها لم تعد إلى بغدادها، حتى امتصّ الموت رحيق أنفاسها الأسبوع الماضي في عمّان، لتدفن قرب صديقها الراحل فؤاد التكرلي، كأنهما اتفقا أن يكملا حديثاً انقطع منذ سنوات.
كانت لطفية الدليمي مخلصة لجوهر الكتابة، لا لسطحها. في مقالها الأسبوعي في صحيفة العرب اللندنية الذي استمر على مدار سنوات، تفضح الثقافة المبتذلة التي حاولت أن تتزيّن بعبارات مستعارة، وتعرّي أولئك الذين أرادوا تطبيع خيانتهم تحت لافتات ثقافة المذهب والطائفة في “العراق الديمقراطي”! كانت تعرف أن العراق الحقيقي يُغتال كل يوم، وأن العراق المزيف يُفرض علينا كقدرٍ لا فكاك منه. لذلك كتبت بلا مواربة: “لا أفكّر في الرجوع إلى الحضن الأول بغداد. كيف أزور من كانت يوماً توأم الروح وصارت الآن مرآة لا أحتمل النظر إليها؟ بغداد التي كنت أعرفها لم تعد بغدادنا. اختفت بين طبقات الغبار والغياب والخراب، وذابت في ضجيج المولدات ودخان العشوائيات”. لم تكن هذه جملة عابرة، بل كانت وصية كاتبة تعرف أن المدن تخون أيضاً.
فأي زمن عراقي ذاك الذي أنجب “سيدات زحل”؟ زمن كانت فيه ابتسام عبدالله تحنو علينا كأم رؤوم، وكانت لطفية الدليمي مثالاً نرفع رؤوسنا إليه، ونستمد منه بنك أحلامنا في الكتابة. وها هو الموت يأخذهما تباعاً، من دون أن يعتذر من ذاكرتنا، ومن دون أن يمنحنا فرصة لنقول لهما إننا ما زلنا نكتب على ضوء ما تركتاه.
آخر رسائلها لي كانت تنضح بذلك الحزن العراقي الذي لا يشيخ، حزن يشبه غباراً لا يمكن مسحه عن الذاكرة. كانت تتحدث عن كل ما صار مزيفاً في بلاد فقدت ملامحها كما يفقد الوجه ظله. سيدة زحل التي علّمتنا صغاراً كيف نقرأ وكيف نرتجف أمام جملة مكتوبة بصدق، تلك التي قرأناها حتى الوله، حتى صار صوتها جزءاً من وعينا الأول، رحلت بهدوء يشبه خيانة الزمن. اختطفها الموت وهي لا تزال تدير ظهرها لبغداد التي لم تعد بغدادها، بغداد التي خانت صورتها في قلبها.
ولطفية لم تكن مشغولة بالكتابة وحدها. كانت امرأة تعرف أن الأدب لا يكتمل من دون حكمة الحياة اليومية. كثيرون لا يعرفون كتابها “الإنسان والغذاء الحي: العودة إلى الطبيعة”، الذي نشرته باسمها الكامل لطفية سهيل نجم، كأنها أرادت أن تضع توقيعها الحقيقي على علاقة أعمق بالحياة، علاقة تتجاوز الرواية إلى ما يشبه الفلسفة الشخصية: أن نعيش كما نكتب، وأن نكتب كما نتنفس.
أتذكّر جلسة جمعتني بها وبالقاص الراحل موسى كريدي قبل أكثر من ثلاثين عاماً. كان أبو أوس يومها يلوم نفسه قائلاً: كيف نكون قصاصين ونحن لا نعرف أصناف الأزهار ولا نميّز بين روائح الأعشاب والعطور؟ ضحكت لطفية وقالت له بكياستها المعهودة “هذه الملامة لك وحدك يا أبا أوس… فأنا مولعة بكل ما تلوم نفسك على جهله”. لم أكن أدرك يومها أنني أجلس بين كاتبين سيغادران العالم تباعاً: الأول مات تحت وطأة طوق الحصار الأعمى، والثانية في مغتربها بعد أن رفضت أن تكون جزءاً من العراق المزيف. تركا وراءهما ما يشبه أثر العطر: لا يُرى… لكنه يبقى.
“رحيل الشخصيات العظيمة جزء طبيعي من الحياة، لكن غياب أقلام مماثلة أو أكثر إبداعاً، كما تفترض حتمية الأجيال وسرمدية الكلمات، يفسر جوانب الأفول التي تنهب ذاكرة العراق”. كان صديقي القاص مصطفى سالم محقاً وهو يعلق على مرثاتي لأم آيار. التوقف عن القراءة شكل خفي من أشكال الإبداع، لكنه أيضاً شكل خفي من أشكال الموت. حين نتوقف عن القراءة، نترك النصوص وحدها في العتمة، ونترك الكتّاب يموتون مرة ثانية.
لطفية الدليمي رحلت، لكن لغتها لم ترحل. بقيت مثل ضوء خافت في آخر الممر، يكفي أن نمدّ يدنا لنراه. بقيت لأنها كتبت بصدق، ولأنها رفضت أن تكون جزءاً من العراق المزيف، ولأنها كانت تعرف أن الكتابة، حين تكون حقيقية، لا تموت… بل تغيّر شكلها فقط، وتستمر فينا.
- كاتب عراقي مقيم في لندن
عن (العرب) اللندنية