كنت القائد الروسي في مناورة حربية. هكذا هزمت الناتو. بقلم فرانز-ستيفان جادي *
كان من السهل استغلال حالة الشلل في اتخاذ القرار والانقسامات بين أعضاء التحالف


بقلم فرانز-ستيفان جادي،
* زميل مشارك في القوة السيبرانية والصراعات المستقبلية في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
مع استقرار أوكرانيا على خط المواجهة وضربها المزيد من الأهداف في عمق الأراضي الروسية، في حين اصطدم الهجوم الروسي الربيعي بجدار مسدود، ربما يكون صحيحًا ما قاله العقيد نيكلسون في فيلم “جسر على نهر كواي”: “فجأة تدرك أنك أقرب إلى النهاية من البداية”.
مع احتمالات اقتراب الحرب من وقف إطلاق النار، ولو مؤقتًا، بنهاية هذا العام أو في عام 2027، ينبغي على صانعي السياسات الأوروبيين أن يدركوا بوضوح أنه بمجرد توقف القتال في أوكرانيا، ستدخل أوروبا أخطر مراحلها في مواجهة روسيا. من المرجح أن تكون القدرات العسكرية الأوروبية، وبالتالي قدرتها على الردع، في أضعف حالاتها مقارنةً بالقوة الروسية. سيواجه الحلفاء جيشًا روسيًا ازداد حجمه، واكتسب خبرة قتالية تقارب خمس سنوات، وحقق مزايا حقيقية تأخرت أوروبا في مجاراتها، وستحتاج إلى سنوات للحاق بها، لا سيما في مجال الحرب عن بُعد والاستهداف الديناميكي من خلف خط المواجهة. علاوة على ذلك، فإن الأداة الوحيدة التي يملكها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لفرض مطالبه باستعادة نفوذ موسكو الذي كان سائداً في الحقبة السوفيتية هي جيشه. وهكذا، تواجه أوروبا معضلة لا حل لها: فبالنسبة لبوتين، كل مشكلة تبدو وكأنها قابلة للحل بالحرب. وهذا ما يجعل المخاطر واضحة تماماً.
لذا، يجدر بنا أن نعود إلى دوري في مناورة حربية جرت في كانون الأول 2025، وكان دوري في هذه المناورة مهاجمة حلف الناتو، وقد انتصرت عليه. أي أنني لعبت دور رئيس الأركان العامة الروسي في مناورة حربية أُجريت في كلية عسكرية ألمانية. ورغم أن المناورة تضمنت معارك، إلا أنها لم تكن مناورة عملياتية لاختبار خطة حملة أو عقيدة عسكرية أو تصميم قوة. بل كان التركيز منصباً على صنع القرار السياسي. كانت مهمتي، بصفتي عضواً في الفريق الأحمر، هي إحداث أزمة عسكرية على الجناح الشرقي لحلف الناتو وإجبار الفريق الأزرق، أي الحكومة الألمانية، على الرد عليها. وبمهاجمتي ليتوانيا في خطوتي الأولى، أربكتُ عملية صنع القرار السياسي والعسكري الألماني لدرجة أن أهم حليف أوروبي لحلف الناتو لم يحرك ساكناً.
أُقيمت مناورة الحرب في جامعة هيلموت شميدت التابعة للجيش الألماني في هامبورغ، وأنتجتها صحيفة “دي فيلت” البرلينية كبودكاست، وحظيت بتغطية إعلامية واسعة، حتى أن أحد الصحفيين سأل الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، عن نتائجها خلال مؤتمر صحفي.
لتحقيق التفوق على حلف الناتو، بل وهزيمته فعلياً، ركزتُ على ثلاث نقاط أساسية أعتقد أن روسيا تتمتع فيها بميزة.
أولاً، السرعة. تكمن المشكلة الأساسية لحلف الناتو في أنه في أي سيناريو عسكري يشمل دولة أو أكثر من دوله الأعضاء في البلطيق، ستكون روسيا قد نشرت بالفعل عدداً كبيراً من القوات في المنطقة. أما حلف الناتو، اعتباراً من عام 2026، فليس لديه هذا العدد. فعلى طول الحدود الروسية البيلاروسية مع حلف الناتو، ستتمركز تشكيلات روسية كبيرة تحسباً لأي أزمة. في المقابل، يحتاج حلف الناتو إلى وقت – أيام في أحسن الأحوال، وأسابيع أو أكثر في أسوأ الأحوال – لجلب التعزيزات. ثانياً، إذا تحركت روسيا بسرعة، فبإمكانها الاستيلاء على أراضٍ في هجوم محدود قبل أن يشن هجوم مضاد. ثالثًا، ينبغي أن تكون روسيا قادرة على الصمود في هذا الموقف والتهديد بالتصعيد إلى المستوى النووي، ما يردع حلف الناتو عن شنّ هجوم مضاد. لماذا أعتقد ذلك؟ لأن القادة السياسيين الألمان لا يجرؤون على طرح سؤال جوهري بشكل مباشر: هل سيخاطرون فعلاً بحرب مباشرة، وربما نووية، ضد روسيا من أجل دولة من دول البلطيق؟
كان السيناريو واضحًا إلى حد كبير، إن لم يكن نمطيًا، لمثل هذه المناورات: بعد وقف إطلاق نار افتراضي بين روسيا وأوكرانيا في صيف عام 2026، تعرض موسكو على برلين تعاونًا اقتصاديًا وعودةً إلى العلاقات ما قبل الحرب، حتى مع تصعيد الكرملين لتهديداته ضد دول البلطيق وادعائه بوجود أزمة إنسانية في جيب كالينينغراد الروسي. عقب مناورات عسكرية مشتركة بين بيلاروسيا وروسيا في غرب بيلاروسيا، يلاحظ حلف الناتو أن روسيا وبيلاروسيا تُبقيان 12 ألف جندي متمركزين هناك. تحذر فيلنيوس من “حالة طوارئ” وشيكة في كالينينغراد. تبدأ المناورة الحربية في نهاية تشرين الأول 2026 مع بقاء القوات الروسية في بيلاروسيا.
كان أول سؤال طرحته على “بوتين” بصفته القائد العسكري للفريق الأحمر هو ما إذا كانت هذه هي كل القوات المتاحة لي. أُجبت بالنفي. لذا سارعتُ إلى توسيع قوة الهجوم، مستعينًا بأربعة جيوش روسية مشتركة الأسلحة لتعظيم خياراتنا العسكرية. كان هناك سندان كالينينغراد: الفيلق الحادي عشر. ومطرقة بيلاروسيا: عناصر من جيش الحرس الأول للدبابات، حوالي 12000 جندي كقوة متقدمة، بالإضافة إلى عناصر من فرقة الحرس 76 للهجوم الجوي وعدة آلاف من الجنود للدعم. وخلفهم مباشرة، كان جيش الحرس 20 المجحفل لتوفير الحماية الشاملة والجانبية ضد بولندا، بينما كان الجيش االسادس المشترك من منطقة لينينغراد العسكرية سيشاغل ويثبّت قوات الناتو في إستونيا ولاتفيا على الجناح الشمالي.
كانت الخطة بسيطة: ستتقدم عناصر من جيش الدبابات الأول للحرس والفرقة 76 المحمولة جواً من غرودنو، بيلاروسيا، عبر دروسكينينكاي، ليتوانيا، شمالاً باتجاه ماريامبولي، ليتوانيا. في الوقت نفسه، سيتقدم الفيلق 11 للجيش ببضعة آلاف من الجنود شرقاً من كالينينغراد. وفي غضون 24 ساعة، كان من المقرر أن تلتحم هذه القوات في ماريامبولي مع جيش المجحفل العشرين للحرس لتأمين جناحي تلك القوة. وبمجرد تحقيق ذلك، ستتحرك قوة ثانية وتتحصن. وبذلك، سيتم عزل دول البلطيق فعلياً عن بولندا وبقية دول حلف شمال الأطلسي..
وكان من المقرر أن تسبق كل هذه العملية قيام قوات العمليات الخاصة بتأمين الجسور والتقاطعات المهمة اللازمة للتقدم. وكان من المقرر حشد القوات الروسية تحت غطاء مناورات عسكرية، حيث كانت القوات تغادر وتعود على مدى أشهر، تاركةً معداتها في مناطق تجميع مختارة.
وقد قام زميلاي في الفريق الأحمر – ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، الذي لعب دور بوتين، وأرندت فرايتاغ فون لورينغوفن، الدبلوماسي الألماني السابق ومسؤول المخابرات، الذي لعب دور وزير الخارجية سيرغي لافروف – بوضع كل هذا، إلى حد ما، من خلال استراتيجيتهما السياسية. وقد ناقشنا الخطة العسكرية في اجتماع عبر الإنترنت قبل أسبوع من بدء اللعبة. هدفنا: تدمير حلف الناتو مع إبقاء الأمريكيين خارجه. بعبارة أخرى: تجريد حلف الناتو من مصداقيته وعجزه عن منع روسيا من فرض شروط نظام أمني جديد في أوروبا. كان الهدف الرئيسي، بالتالي، هو تقويض مصداقية حلف الناتو والاتحاد الأوروبي من خلال توغل محدود. لم يكن للحرب الهجينة وحدها، رغم دورها المهم في الفترة التي سبقت الحملة التقليدية، أن تحقق لنا ذلك. فلماذا لا نستخدم أفضل أداة في ترسانتنا، وهي القوة العسكرية التقليدية الروسية؟ استنادًا إلى ما قاله وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة، إلبريدج كولبي، للأوروبيين في مؤتمر ميونيخ الأمني هذا العام، أردتُ تجنب ضرب الأمريكيين – على الأقل عمدًا – لضمان بقاء واشنطن خارج المعركة وحث الأوروبيين على أخذ زمام المبادرة. نجح هذا في اللعبة. أما في الواقع، فمن الممكن نظريًا أن تسير الأمور بشكل مختلف.
بحسب ما فهمت، لم يتوقع مصممو اللعبة هجومًا تقليديًا؛ ربما كان تركيزهم منصبًا على الحرب الهجينة الروسية التي تشمل قوات لا تحمل رتبها العسكرية كما في غزو روسيا لأوكرانيا عام 2014. لكن بدا الهجوم التقليدي خيارًا منطقيًا نظرًا لحالة دفاعات الناتو في ليتوانيا، وسرعة إعادة تنظيم جزء على الأقل من القوات الروسية بعد وقف إطلاق النار المحتمل في أوكرانيا. وبالاستفادة من تجربة أوكرانيا، وبالاستفادة من الكفاءة العسكرية الروسية المتطورة في الاستهداف الديناميكي لمنع هجوم مضاد من الناتو عبر ممر سوالكي، كنت سأحول الممر إلى منطقة قتل من خلال التحكم في النيران عبر طائرات مسيرة مدمجة مع المدفعية، مع مراقبة دائمة ومئات الطائرات المسيرة الهجومية وطائرات زرع الألغام، مدعومة بمنظومة دفاع جوي وصاروخي قوية.
كنت أعلم أنه طالما تمكنا من إبقاء الأمريكيين خارج المنطقة لمدة 48 ساعة، فإن خطر رد أوروبي فوري سيكون ضئيلاً. فمن المؤكد أن قوات الناتو الأوروبية لن تهاجم دون إضعاف الدفاعات الجوية الروسية أولًا، وهو ما لم يكن بوسعها فعله في خريف 2026 نظرًا لمحدودية القدرة الهجومية لقواتها الجوية، وافتقارها إلى قدرات تدمير الدفاعات الجوية للعدو (SEAD/DEAD)، بما في ذلك نقص صواريخ تدير الدفاعات الكهرومغناطيسية، ونقص المعدات اللازمة لعمليات الاختراق. كانت هذه النقائص الأوروبية المعروفة هي السبب الرئيسي وراء قيام الروس بتحصين الممر فور نجاح التوغل. سألت مرارًا خلال اللعبة: هل من هجوم مضاد قادم من الناتو؟ لكن لم تكن هناك أي قوات تابعة للناتو في أي مكان.
أوضحت بالتأكيد لقادتي السياسيين أن الهجوم ينطوي على مخاطر فشل عالية. الطرق في ليتوانيا ضيقة وقليلة العدد. التضاريس المحيطة بها غابات ومستنقعات جزئية. هناك نقاط اختناق كان من الممكن إيقاف تقدمنا فيها. وكان هناك تشكيلان عسكريان ليتوانيان على الأقل بحجم لواءين للتعامل معهما خلال التوغل الأولي. خططت لإضعافهما بمزيج من ضربات الطائرات المسيرة والمدفعية، نظرًا لافتقارهم وافتقار الناتو إلى تدابير مضادة فعالة للطائرات المسيرة ودفاع جوي.
انتهت المناورة قبل هجوم الناتو المضاد وقبل أن يشن الليتوانيون هجومًا مضادًا. لو سارت الأمور على هذا النحو، لكان فشل الروس ممكنًا، بل وربما مرجحًا. ويمكن التساؤل عما إذا كان الهجوم المضاد قد يُفشل خطة روسيا؟ هذا التساؤل يتجاهل الواقع العسكري: ففي عصر انتشار الطائرات المسيّرة والمدفعية والصواريخ، لا تحتاج روسيا إلى السيطرة الفعلية على التضاريس لعزل دول البلطيق. بإمكانها ممارسة ضبط النيران عبر ضربات دقيقة بعيدة المدى، ومدفعية صاروخية، وطائرات مسيّرة، وزرع الألغام عن بُعد. إن ضبط النيران فوق ممر سوالكي اليوم أسهل بكثير بالنسبة لروسيا منه فوق خط المواجهة الأوكراني في عامي 2023 و2024. ومنذ ذلك الحين، حققت روسيا تقدماً كبيراً في الاستهداف الديناميكي، وسيتعزز هذا التفوق بغياب قدرات تدمير الدفاعات الجوية للعدو الأمريكية (SEAD/DEAD) خلال أول 48 ساعة من أي عملية روسية.
من الناحية الاستراتيجية، كان التوغل الناجح في ليتوانيا خلال المناورات الحربية إضافة قيّمة، لكن نجاحه أو فشله لم يكن ذا أهمية كبيرة، إذ أن حتى التحكم بالنيران من خارج حدود ليتوانيا كفيل بعزل دول البلطيق عن بقية دول الناتو، ما يضع الناتو أمام معضلة في عملية صنع القرار. فإذا ما تريثت واشنطن وتركت الأوروبيين يتقدمون، فهل سيقبلون بخسائر فادحة ناجمة عن افتقارهم إلى القدرات الأمريكية اللازمة لتفكيك أنظمة الدفاع الجوي الروسية ومنظومات الضربات الدقيقة الأرضية في هجوم مضاد؟ هل سيشن الأوروبيون الهجوم أم سيستسلمون للمطالب السياسية الروسية لتجنب حمام دم محتمل؟ هل ستهاجم بولندا بمفردها، رغم افتقارها لتلك القدرات؟ كنت قد أعددت خطة في حال شنّ الناتو هجومًا مضادًا، وتستخدم هذه الخطة سياسة حافة الهاوية النووية لترهيب القيادة السياسية الألمانية: تفعيل الأسلحة النووية التكتيكية في بيلاروسيا وكالينينغراد وغرب روسيا كان سيصاحبه إنذار نهائي بأن الممر غير قابل للتفاوض. لم نكن بحاجة إلى تلك المرحلة من المناورة العسكرية. لقد حققنا أهدافنا بدونها بشلّ القيادة السياسية الألمانية بينما بقي الأمريكيون على الحياد.
إجمالاً، استعانت العملية بنحو 100 ألف جندي روسي في مسرح العمليات الأوسع، بما في ذلك قوات الدفاع الجوي والإمداد والطيران ووحدات الدعم الثانية. ومن بين هؤلاء، شكّل نحو 12 ألف جندي بري قوة التقدم الأمامية من بيلاروسيا على المحور الرئيسي، مدعومة ببضعة آلاف من عناصر المناورة الإضافية من كالينينغراد. كما أدركتُ أنه بدون رد أمريكي فوري – كشن غارات جوية على القوات الروسية في كالينينغراد وبيلاروسيا وليتوانيا – فإن الهجوم على حلف الناتو في البلطيق يُعدّ، من بعض النواحي، أسهل عسكرياً من غزو روسيا لأوكرانيا. فالمسافات أقصر، والأهداف العسكرية أكثر محدودية، وخصوم روسيا – على الأقل في المرحلة الأولى – أضعف، حتى وإن كانوا يشكلون أقوى تحالف عسكري في العالم.
لكن الأهم من ذلك كله، ما أستنتجه هو أن على ألمانيا، ولا سيما قادتها السياسيين، مواجهة أسئلة جوهرية وإن كانت محرجة، إذا ما أرادت أوروبا الصمود في مثل هذه الأزمة. دعونا نتجاهل الخطابات حول الالتزام بالمادة الخامسة من حلف الناتو. السؤال الجوهري الوحيد هو: هل تعتقد ألمانيا أن خوض حرب مع روسيا على البلطيق أمرٌ يستحق العناء، حتى بدون مساعدة الولايات المتحدة؟ هل هناك إجماع حقيقي على إجابة لهذا السؤال؟ هل برلين مستعدة، إلى أقصى حد، لتحمّل سياسة بوتين النووية الخطيرة؟ هل الألمان مستعدون نفسيًا للحرب؟
إذا لم تُجب هذه الأسئلة بوضوح قبل وقوع الأزمة، فإن ألمانيا وحلف الناتو يُخاطران بالتعرض لخطر الهزيمة أمام سرعة روسيا وعزمها في أزمة عسكرية حقيقية، لا سيما في المرحلة الأولى. لا يعتمد الردع على القدرات العسكرية فحسب – وهي غير متوفرة – بل يعتمد أيضًا على ما يعتقده العدو بشأن عزيمتك. في مناورة الحرب، كنا أنا وزملائي “الروس” على يقين: أن من المرجح أن تتردد ألمانيا. وكان ذلك كافيًا لتحقيق النصر..
15 أيار 2026،