مبدعون في الذاكرة (47) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية كفاح محمود كريم.. الإعلامي الذي حمل هموم شعبه الكردي إلى العالم ياس خضير البياتي


ياس خضير البياتي
في سنجار، تلك المدينة التي تتكئ على الجبل وتطل على السهل وتتنفس الصحراء، وُلد كفاح محمود كريم عام 1954. هناك، في بيئة تتقاطع فيها الصلابة مع الحلم، بدأ الطفل الصغير يختبر قوة الصوت والكلمة، فكان خطيباً في مدرسته الابتدائية بين عامي 1961 و1967، يعلن مبكراً أن للكلمة وقعاً لا يقل عن وقع الحجر في الماء.
عام 1970، في الصف الأول المتوسط، خطّ أولى محاولاته الصحفية عبر نشرة حائط أسبوعية تُستنسخ وتوزع على الصفوف، لتكون بذرة أولى لرحلة طويلة في عالم الإعلام.
لم يكتفِ بالكلمة وحدها، بل أسس فرقة تمثيلية باسم “فرقة المنارة”، كتب لها سيناريوهات بين 1970 و1972، ليؤكد أن الفن والتمثيل جزء من أدواته للتعبير.
لكن السياسة سرعان ما وضعت بصمتها على مسيرته؛ ففي أعقاب اغتيال قائم مقام سنجار عام 1973، تم إبعاده إلى مدينة الحلة، وهناك تبلورت إمكانياته الفنية والأدبية والفكرية، حيث تعلم الخط العربي وأقام معارض فنية جمع فيها بين الحروف والألوان نقشاً وحفراً على المعدن.
من الحلة إلى بغداد، ومن بغداد إلى إسطنبول، ثم إلى فضاءات أوسع، درس التربية والفنون الجميلة، وحاز على دبلوم في التربية الفنية، ثم درس الإعلام الإذاعي والتلفزيوني في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني ببغداد.لاحقاً، حصل على شهادة البكالوريوس من جامعة روشفيل الأمريكية،.
لم يكن كفاح مجرد صوتٍ في الإعلام أو فرشاةٍ في الفن، بل كان اسماً يتردد في المحافل الثقافية والصحفية والفنية، شاهداً على مسيرة طويلة من العطاء. فهو عضو اتحاد الصحفيين العالمي، وعضو نقابة صحفيي كوردستان، وعضو نقابة الفنانين العراقيين، يجمع بين الكلمة واللون في هوية واحدة. منحته كلية العلوم السياسية في جامعة أنقرة عام 2006 شهادة تقديرية، ثم اختارته الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب عام 2007 ضمن 120 شخصية من مختلف أنحاء العالم، ليؤكد أن صوته تجاوز حدود الجغرافيا.
وفي عام 2011 كرّمته وزارة الثقافة العراقية، ثم جاء وسام رائد الإعلام الكوردي من مؤسسة دارجان الألمانية عام 2012 ليضع بصمة جديدة في مسيرته. ولم يتوقف التكريم عند ذلك، ففي عام 2020 منحته جامعة سمارت البريطانية شهادة الدكتوراه الفخرية في الإعلام الحديث، ليصبح اعترافاً رسمياً بما أنجزه من أثر في الفكر والإعلام. أما ملتقى الإعلاميين العراقيين، فقد منحه لقبه السنوي لعام 2020 على مقاله الشهير “حينما يصبح الوطن شركة ربحية”، وكأن كتاباته تحولت إلى مرآة تعكس أوجاع الوطن وتطلعاته.
في الفن التشكيلي، ابتكر وتخصص في الوهم البصري، حيث تتحول الألوان والخطوط إلى حركة تخدع العين وتثير الفكر. أقام ثلاثة معارض شخصية بارزة: سنجاريات (الموصل 1989)، سنجاريات 2 (الموصل 1993)، وتألقات الضوء والنار (الموصل 1996).
كان يرى أن الفن نافذة أولى للجمال، لكنه أدرك لاحقاً أن القلم والمايكروفون والكاميرا يمكن أن تحتل مكان الفرشاة، وأن الإعلام هو الفضاء الأوسع للتأثير.
في الإعلام، برز اسمه عبر برنامج “لنتحاور” على فضائية كوردستان، الذي مثّل مساحة لتقريب وجهات النظر وإعادة الاعتبار لفكرة الحوار كأداة للتغيير.
كتب بشكل منتظم في صحف عراقية وعربية مثل الزمان، الحياة، الشرق الأوسط، التآخي، طريق الشعب، وشارك بمقالات في مواقع إلكترونية مثل إيلاف، ميدل إيست، روداو، وK24. كما كان وجهاً حاضراً في الفضائيات الكبرى: العربية، الجزيرة، سكاي نيوز، بي بي سي، الحرة، وفرنسا 24، حيث مثّل القضية الكردية بوعي ومسؤولية، مدافعاً عنها بالكلمة والصورة.
أما فلسفته، فكانت تقوم على أن الفن مدخل للجمال، والإعلام أداة للوعي، والحوار سبيل للتغيير، والسياسة مسؤولية جماعية لا تتحقق إلا بوحدة الصف وصوت الحقيقة.
كان يرى أن الإعلام الكردي بحاجة إلى خطاب عالمي يتجاوز المحلية، وأن الحل للقضية الكردية في سوريا والعراق يكمن في الجبهة الوطنية الداخلية ومشاركة جميع القوى السياسية بعيداً عن الاستحواذ الحزبي.
وعلاقاته الاجتماعية والثقافية كانت امتداداً لشخصيته؛ فهو لم يكن مجرد إعلامي يطل عبر الشاشات أو كاتب يملأ الصحف، بل كان حاضراً في المجالس والندوات والحوارات الفكرية، يربط بين المثقفين والفنانين والسياسيين، ويجعل من حضوره جسراً للتواصل بين مختلف البيئات.
عرف عنه أنه ينسج علاقاته على قاعدة الاحترام المتبادل، فيرى أن الثقافة والفن والإعلام ليست عوالم منفصلة، بل دوائر متقاطعة تلتقي عند الإنسان.
كان لا يكتفي بأن يكون صوتاً في الصحافة أو صورة على الشاشة، بل كان عقلاً يُستشار ورؤيةً تُستأنس بها في صناعة القرار. ففي الفترة بين عامي 2009 و2012 شغل موقع المستشار السياسي في فضائية كوردستان، حيث كان يوجّه الخطاب الإعلامي ويصوغ رسائل القناة بما يتناغم مع قضايا شعبه وهمومه.
ثم انتقل إلى موقع أكثر حساسية حين أصبح المستشار الإعلامي للرئيس مسعود بارزاني ابتداءً من عام 2012، ليكون قريباً من مركز القرار، حاملاً معه خبرته الطويلة في الصحافة والفن والإعلام، ومترجماً إياها إلى لغة سياسية وإعلامية رصينة.
كان معروفاً بشجاعته وصلابته الإعلامية، إذ وقف بقوة في مواجهة السلطة السياسية الاتحادية والمليشيات التي حاولت اختزال إقليم كوردستان وتقليص حقوق شعبه، بل وهاجمته بالصواريخ والمسيرات.
لم يكن حضوره الإعلامي مجرد كلمات عابرة، بل كان موقفاً صريحاً وشرساً، يفضح تلك الممارسات ويكشفها أمام الرأي العام المحلي والعالمي.
في كل إطلالة له، كان يرفع صوته دفاعاً عن حق شعبه في الحرية والكرامة، ويجعل من الكلمة سلاحاً لا يقل قوة عن أي سلاح آخر.
لقد جسّد صورة المثقف المقاوم، الذي لا يساوم على الحقيقة، ولا يتراجع أمام التهديد، ليبقى شاهداً على أن الإعلام حين يُمارس بشجاعة، يصبح حصناً يحمي الحقوق، ويُفشل محاولات الطغيان.
كفاح محمود كريم ليس مجرد اسم في الصحافة أو الفن؛ إنه حكاية سنجار التي خرجت من بين الجبال لتخاطب العالم، وصوتٌ جعل من الكلمة قدراً، ومن الحوار جسراً، ومن الفن مرآةً للروح.
هو المثقف الذي حمل هموم شعبه، وجعل منها رسالة إنسانية تتجاوز الحدود، لتبقى شاهداً على أن الكلمة حين تُعاش بصدق، تتحول إلى حياة بأكملها.