من يملك حق تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية د. فراس الياس

طرح إيران لمطلب إخلاء محيطها الإقليمي من الوجود العسكري الأمريكي لا يرتبط فقط بالرغبة التقليدية في تقليص النفوذ الأمريكي، بل يعكس اليوم تحوّلاً أعمق في الإدراك الأمني الإيراني، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة والتجارب التي مرت بها طهران منذ حرب 2026 وما تلاها من ضغوط عسكرية واستخبارية متصاعدة. إيران باتت ترى أن المشكلة لم تعد في “العقوبات” أو “البرنامج النووي” بقدر ما أصبحت في البيئة العسكرية المحيطة بها.
فالانتشار الأمريكي في الخليج والعراق وسوريا والبحر الأحمر لم يعد يُنظر إليه من قبل الحرس الثوري بوصفه مجرد تموضع ردعي، بل كبنية عملياتية متكاملة قادرة على تنفيذ ضربات سريعة وعميقة ضد الداخل الإيراني، أو دعم أي هجوم إسرائيلي واسع في المستقبل.
ومن هنا، فإن مطلب إبعاد الوجود العسكري الأمريكي يحمل عدة أهداف استراتيجية متداخلة
: أولاً، تسعى إيران إلى تفكيك “حلقة الضغط العسكري” المحيطة بها. فطهران تعتقد أن واشنطن استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء طوق عملياتي يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، يسمح بمراقبة إيران واحتوائها وضربها من عدة محاور في وقت واحد. ولذلك فإن تقليص هذا الوجود يعني تقليل قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ حرب سريعة أو حصار متعدد الجبهات
. ثانياً، تريد إيران إعادة بناء معادلة الردع بعد اهتزازها. فالحرب الأخيرة أظهرت للحرس الثوري أن امتلاك الصواريخ والمسيرات وحده لا يكفي إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك قواعد قريبة تسمح لها بالاستجابة السريعة والاختراق الاستخباري العالي. لذلك باتت طهران تعتبر أن “إبعاد القواعد” جزء من إعادة ترميم أمنها القومي، وليس مجرد مطلب سياسي أو أيديولوجي
. ثالثاً، تحاول إيران تحويل الوجود الأمريكي إلى “عبء على دول المنطقة”. فهي تدرك أن ضرب القواعد الأمريكية أو التهديد بها يخلق قلقاً دائماً لدى دول الخليج والعراق من احتمالية تحول أراضيها إلى ساحات مواجهة. ولهذا تعمل طهران على ترسيخ فكرة مفادها أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر بوجود القوات الأمريكية، بل إن هذا الوجود هو ما يجلب احتمالات الحرب
. رابعاً، هناك بعد تفاوضي مهم. فإيران لا تتوقع بالضرورة انسحاباً أمريكياً كاملاً، لكنها تستخدم هذا المطلب كسقف استراتيجي لتحسين شروط أي تفاهم مستقبلي، سواء تعلق بالعقوبات أو هرمز أو الملف النووي أو ترتيبات الأمن الإقليمي. بمعنى آخر، هي تريد نقل التفاوض من ملفها النووي فقط إلى “شكل النظام الأمني في الخليج.
” لكن الأهم أن التطورات الأخيرة جعلت هذا المطلب أكثر إلحاحاً بالنسبة للحرس الثوري، لأنه بات مقتنعاً بأن أي مواجهة قادمة لن تكون شبيهة بالمواجهات السابقة المحدودة، بل قد تكون حرباً قائمة على الضربات الدقيقة، والاختراقات السيبرانية، واستهداف مراكز القيادة والبنية التحتية الحيوية.
ولذلك فهو يريد خلق “مسافة أمنية” بينه وبين القوة العسكرية الأمريكية المنتشرة حوله.
وفي المقابل، ترى واشنطن وحلفاؤها أن هذا المطلب الإيراني لا يتعلق بالدفاع فقط، بل بمحاولة خلق فراغ أمني يسمح لطهران بإعادة توسيع نفوذها الإقليمي بحرية أكبر، خصوصاً في العراق والخليج وشرق المتوسط.
ولهذا فإن الصراع الحقيقي اليوم لم يعد فقط على النووي، بل على: من يملك حق تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، الولايات المتحدة أم إيران؟
صفحة الكاتب على منصة X
https://x.com/i/status/2056864706300653611