فكر وفن

نشرة فقيرة الطباعة يصدرها عراقيون في المنفى إسمها (جسور)، أحمد سعداوي *

 

 

في التسعينيات كانت هناك مجلة أشبه بنشرة فقيرة الطباعة يصدرها عراقيون في المنفى، إسمها (جسور)، وكانت تصلنا عبر البريد العادي.

لم نكن نعرف، أنا ومحمد الحمراني ونصير غدير وأصدقاء آخرين، هل كانت الدولة تراقب هذه النشرة وهل تفتح البريد المغلق أم لا؟! وكيف تتركها تمرّ، لأن فيها مواد تبدو حسّاسة.

لم نهتم للأمر، ونشر أغلب الشعراء الشباب في وقتها قصائد في هذه النشرة، وبقينا ننشر فيها حتى اختفت.

ربما آخر شيء نشرته فيها هو مقالة عن مجموعة جمال علي الحلّاق الشعرية (صعّادات). . طبعاً تذكرت هذه المجلة لأنني أريد الحديث عن موضوع محدّد، ولكن أخذتني الذاكرة الى التفاصيل أعلاه.

في أحد أعداد المجلّة نشر باسل الكبيسي مقالة بعنوان (رشدي والإمام) ويتحدث فيها عن فتوى الامام الخميني بهدر دم الروائي البريطاني/الهندي سلمان رشدي.

في آخر المقال يورد جملة بدت لي وقتها خلاصة مهمة وكاشفة، بما معناه [وأنا أنقل من الذاكرة]؛ أننا اليوم أبناء كلا الفريقين المتصارعين في التاريخ.

 نحن أبناء قريش والمسلمين، أبناء الفاتحين و”المفتوحين”، أبناء المنتصرين والمهزومين.

حين نقرّ بهذه الحقيقة فإننا نترك مسافة بيننا والتاريخ الخطر.

ولكننا غالباً ما نقوم بانحيازات، ونعيد انتاج المعارك القديمة نفسها على مسرح جديد.

 نريد تعديل النتيجة في المباراة قبل ألف سنة، ولكن التاريخ لا يتغيّر، مهما فعلنا اليوم.

لقد قام العباسيّون بأشرس انتقام يمكن أن يحدث في التاريخ، تحت يافطة ” يا لثارات الحسين”، وأفنوا الأمويين ونبشوا قبورهم وأحرقوا عظامهم، ولم يبقوا لهم باقية.

ولكننا ما زلنا نردّد لليوم “يا لثارات الحسين”، لأننا نرغب باستمرار المعركة.

 لأنها مفيدة لنا فلا نريد انهاءها.

ونعود فترة بعد أخرى لتقليب صفحات التاريخ واعادة تمثيل معاركه على مسرح جديد، فلا نشفي غليلنا ولا يهدأ هاجسنا لتصحيح التاريخ، لأن المخطّط الأصلي للمعادلة التي دخلنا فيها هو أن لا ينتهي أي شيء.

ما دمنا نرى أنفسنا اليوم أبناء فريق من البشر وأعداء فريق آخر، حدث وأن تقاتلوا ذات يوم في التاريخ

. . #أحمد_سعداوي الصورة: في المتحف البريطاني

صحفي وكاتب روائي عراقي

صفحة الكاتب على منصة X

@saadawi_a

 

زر الذهاب إلى الأعلى