سياسة

تاكر كارلسون يصف نتنياهو بـ”أكبر عدو للحضارة الغربية”

 

واشنطن – “القدس” دوت كوم- سعيد عريقات

أثار الإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون جدلاً واسعاً بعد تصريحاته الأخيرة التي وصف فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “العدو الرئيسي للحضارة الغربية”. جاءت هذه التصريحات خلال مقابلة مطوّلة على برنامج شون رايان  Shawn Ryan Show، حيث قدّم كارلسون قراءة نقدية قاسية للسياسات الإسرائيلية ولما سماه بـ”القبَلية السياسية” التي تتناقض، بحسب رأيه، مع القيم الفردية التي قامت عليها الحضارة الغربية.
وقال كارلسون في حديثه إن “العدو الحقيقي للحضارة الغربية ليس المسلمين ولا اليهود ولا السود ولا أي مجموعة دينية أو عرقية… بل أي شخص يرفض مبدأ أن الحقوق تبدأ وتنتهي عند الفرد”. وأضاف أن نتنياهو، الذي يقدّم نفسه حامياً للقيم الغربية، يمارس ما وصفه بـ”سياسة جماعية متصلبة” قائمة على تفوق جماعة على أخرى، مؤكداً: “إنه ليس فقط لا يدافع عن الغرب، بل هو عدوّه، وربما عدوه الرئيسي”. التصريحات جاءت بنبرة شخصية غير معتادة، وتجاوزت نقد السياسات إلى توصيف مباشر لزعيم دولة حليفة بأنها تمثل تهديداً للقيم الغربية نفسها.
خلفيّة كارلسون المهنية تضفي وزناً مضاعفاً على ما قاله. فهو أحد أبرز الأصوات الإعلامية لدى اليمين الأميركي في العقد الأخير، وصاحب تأثير كبير على جمهور المحافظين. وبعد خروجه من شبكته التلفزيونية الكبرى وانتقاله إلى منصة إعلامية مستقلة، اكتسب هامشاً واسعاً من الحرية مكّنه من طرح رؤى أكثر راديكالية أو غير مألوفة في السياسة الأميركية السائدة. خلال السنوات الأخيرة، عبّر أكثر من مرة عن استياءه من الدعم غير المشروط الذي تمنحه واشنطن لإسرائيل، معتبراً أن أولويات السياسة الأميركية يجب أن تعود إلى الداخل لا إلى صراعات الخارج.
ما يجعل تصريحاته الأخيرة مختلفة أنها تصادم ليس فقط المؤسسة السياسية الأميركية، بل أيضاً قاعدة من القيم التقليدية لدى اليمين الأميركي المؤيد تاريخياً لإسرائيل. فاتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه “عدو الحضارة الغربية” يحمل شحنة رمزية كبيرة، ويشكك في الأساس الذي يُقدَّم عادة لتبرير هذا التحالف: الدفاع المشترك عن “القيم الديمقراطية الغربية”. ويشير مراقبون إلى أن كارلسون يحاول تفكيك هذا المسلَّم السياسي عبر ربط الصهيونية بما يصفه بـ”القبَلية الشمولية”، بل ذهب في المقابلة إلى حد المقارنة بين الفكر القائم على التفوق الجماعي — سواء كان صهيونياً أو قومياً متطرفاً — وبين النماذج التي قادت إلى صراعات كارثية في التاريخ الحديث.
من جهة أخرى، لم تمر التصريحات من دون ردّ. فقد هاجم مسؤولون إسرائيليون ومعلقون أميركيون كارلسون، واعتبر بعضهم أن تصريحاته “تحريض” و”تشويه تاريخي” لدور إسرائيل كحليف للولايات المتحدة. كما وصفه آخرون بأنه يسعى إلى توظيف المسألة الإسرائيلية لتغذية خطابه الشعبوي واستقطاب جمهور يبحث عن لغة صدامية أو مضادة للمؤسسة التقليدية. في المقابل، رأى مؤيدوه أن تصريحاته تعبّر عن “التحول الحقيقي” في المزاج الأميركي تجاه إسرائيل بعد سنوات من الحروب ودعم عسكري غير محدود.
ويشير محللون إلى أن توقيت التصريحات يعكس لحظة أميركية من الاستقطاب السياسي الحاد، إذ يزداد حضور الأصوات التي تطعن في جدوى التحالفات التقليدية، وتعيد النظر في كلفة الالتزامات الخارجية. كما يتزامن النقد المتصاعد لإسرائيل مع تداعيات الحرب الطويلة في غزة، وما أثارته من جدل حاد داخل الولايات المتحدة حول قضايا الأخلاق والقانون الدولي واستخدام القوة. ضمن هذه البيئة المشحونة، يصبح أي تصريح شديد اللهجة — من شخصية ذات نفوذ إعلامي — مضاعف التأثير والاهتمام.
تكمن أهمية تصريح كارلسون في أنه يخرج من داخل اليمين الأميركي وليس من خارجه. فالجدل حول إسرائيل كان في السابق محصوراً في أوساط اليسار أو الأكاديميين، لكن دخول شخصيات محافظة رفيعة عليه يفتح الباب لتحولات بنيوية في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط. وإذا ما استمرت هذه الاتجاهات، فقد تتآكل القواعد الخطابية التي استندت إليها الشراكة الأميركية-الإسرائيلية طوال عقود.
كما تعكس هذه التصريحات جدلاً أعمق حول تعريف “الحضارة الغربية” نفسها: هل تقوم على حرية الفرد وسيادة القانون كما يصر كارلسون، أم أنها منظومة سياسية-ثقافية أوسع قادرة على التكيف مع أشكال متعددة من التحالفات والمصالح؟ الإجابة على هذا السؤال ليست أكاديمية فقط، بل هي تحديد عملي لموقع الولايات المتحدة في العالم وللمبادئ التي توجه سياستها الخارجية. وفي هذا الإطار، يأتي هجوم كارلسون على نتنياهو كجزء من معركة خطابية أكبر حول هوية الغرب ومعنى القوة الأميركية.

المصدر : جريدة (القدس) الفلسطينية

زر الذهاب إلى الأعلى