فكر وفن

وأخيرا عاد ناظم حكمت الى الوطن شامخا بتماثيله البرونزية أما جسده فهناك في مقبرة خارج الوطن  مصطفى احمد *

 

وأخيرا عاد ناظم حكمت الى الوطن شامخا بتماثيله البرونزية أما جسده فهناك في مقبرة خارج الوطن

 مصطفى احمد *

Ve ipek bir halıya benzeyen toprak

Bu cehennem, bu cennet bizim

Kapansın el kapıları

Bir daha açılmasın

Yok edin insanın insana kulluğunu

Bu davet bizim

Yaşamak bir agaç gibi tek ve hür

Ve bir orman gibi kardescesine

Bu hasret bizim

Nazım Hikmet

وهذه جنـتنا، وهذا جحيـمنا،

تراب ارضنا تشبه سجادة من حرير.

هذا ندائنا..

انهوا الى الابد استغلال الانسان للانسان،

لتنغلـق تلك الابـواب، وان لا تفتـح ثانيـة.

هذه صيحاتنا..

ان نعيـش وحيدا وحرا مثل شجرة

وان نعيش كأخـوة مثـل غـابة من الاشـجار..

ناظم حكمت

الشعوب الحية تدعم وتفتخر بمفكريها وعلمائها وفنانينها ومبدعيها ولكن الشعوب المتخلفة وبأنظمتها المتخلفة والاستبدادية تعمل العكس بدل ان تشجع وتدعم هؤلاء النخب المثقفة تقوم بمحاربتهم وتطاردهم او نفيهم لمختلف الاسباب والاتهامات والكثير منهم سجنوا وتم تعذيبهم وحتى انهاء حياة البعض منهم. وهذه ما حدثت في معظم بلدان منطقتنا سواءا في ايران او العراق او سوريا او مصر مثلا. من منا لا يعرف المفكر الحر صادق جلال العظم الذي مات في منفاه القسري او الجواهري او البياتي.. وهنا الحديث عن الشاعر العالمي الانساني ناظم حكمت كيف تم محاربته وسجنه ومنع نشر نتاجاته الادبية واسقاط جنسيته التركية واتهامه بشتى انواع النعوت وحتى الخيانة. وقضى نصفا من عمره في السجون والمعتقلات الى ان اضطر الهروب الى المنفى. حيث بعد الافراج عنه والذي كان يعاني من مشاكل في القلب ولكن لم يتركوه حرا حيث اشتد الرقابة عليه وعلى تحركاته ونصب نقطة مراقبة امام منزله وما منه الا التفكير بالهروب خارج الوطن.

اتفق مع احد اقاربه لتهريبه وهو المدعو رفيق اردوران الضابط الاحتياط الذي اصبح فيما بعد واحدا من كتاب المسرح. في فجر يوم الاحد من 17حزيران سنة 1951 نهض ناظم حكمت من فراشه وهو لم ينم الليلة. اخبر زوجته منورهانم أنه سيذهب إلى أنقرة لمراجعة التجنيد لأداء الخدمة العسكرية. ويغادر المنزل في الساعة الرابعة صباحًا وضباط الشرطة المناوبون لمراقبته كانوا يغطون في نوم عميق أمام الباب في سيارتهم، مر من جانبهم حيث لم يكونوا يتوقعون خروج ناظم مبكرا حيث يعاني من مشاكل في القلب. كان هدف ناظم الوصول مسرعا حسب الاتفاق الى بيت السيد (رفيق اردوران) وهو من أحد اقاربه، حيث كان ضابط احتياط في الجيش، وكان رفيق مجازا في ذلك اليوم الاحد وحيث رفيق أعد العدة وقد اشترى يخت صغير يعمل بالمحرك من جارهم الذي كان عرضه للبيع وقال بانه يريد ان يجرب المحرك قبل ان يشتريه. ملأ رفيق خزان المحرك بالبنزين وملأ ايضا عددا من العلب كاحتياط. في الساعة التاسعة وصل ناظم الى مكان وجود رفيق حسب الاتفاق في طرابيا الواقعة في شمال اسطنبول في الوسط من مضيق البسفور. بسرعة البرق أخذ ناظم معه في المحرك وانطلق في مياه البسفور حيث الهدف مدينة فارنا او اقرب مكان في سواحل بلغاريا. في طريقهم باتجاه الشاطئ المقابل كانت سفينة تمر عبر مضيق البسفور متجهة شمالا باتجاه البحر الاسود ومن خلال الرؤية من خلال المنظار كانت السفينة تحمل العلم الروماني، تأكدوا من السفينة، انها سفينة شحن اسمها (بليخانوف) والعلم الروماني ترفرف فوق السارية. غيروا خطتهم واقتربوا من السفينة واصبحوا بمحاداتها وبدأ ناظم يعلو صوته مخاطبا البحارة في ظهر السفينة باللغة الفرنسية والروسية، قفوا قفوا.. أنا الشاعر التركي ناظم حكمت.. اريد ان اصعد الى السفينة.. ثم تتوقفت السفينة بعد اتصال البحارة مع القبطان. في البداية يرفضون صعوده ويتصلون بادارة مدينة بوكرش ومن هناك يبرقون الخبر الى موسكو للتأكد. بقوا منتظرين الاجابة من هناك وثم سمحوا لناظم بالصعود الى السفينة. وعاد السيد رفيق الى طرابيا حيث اتى. بمجرد ان صعد ناظم الى السفينة وصل الى غرفة الطعام شاهد اعلان بوستر قديم معلق على الجدران يقول (الحرية لناظم حكمت). كان البوستر من بقايا حملة التضامن العالمي التي عمت دول العالم لاطلاق سراح ناظم حكمت من السجن بعد اضرابه عن الطعام حد الموت. وفي صباح اليوم التالي وصل الى كونستانتا واستقبله وزير الخارجية الروماني وحشد من الكتاب والصحفيين ثم نقله من هناك وفي سيارة الوزير الى العاصمة بوخارست. في 20 حزيران أعلن راديو بوخارست في نشرته المسائية ان ناظم حكمت الان في أراضي رومانيا. وفي يوم 29 حزيران وصل ناظم حكمت الى موسكو وكان في استقباله في المطار رئيس اتحاد الكتاب السوفييت كونستانتين سيمونوف يرافقه الكتاب والصحفيين. اعلنت الاذاعات والصحف اخبار ناظم حكمت مع تصريحاته وصوره الذي ادلاها لوسائل الاعلام.

الشاعر ناظم حكمت قضى نصف عمره في السجون التركية وكتب افضل ملاحمه الشعرية في السجن، مثل ملحمة الشيخ بدرالدين ورسائل الى ترانتا بابو وجيوكندا وسيائو، حرب الاستقلال، مناظر البشر من بلادي، ورسائل الى كمال طاهر. وكتب روايات التفاحات الخضراء، الدم لا يتكلم، ما أطيب العيش يا أخي، حق الحياة.. لم يتحقق وصية ناظم حكمت بأن يدفن تحت شجرة في مقبرة قرية في الاناضول وقد مات في المنفى في موسكو اثر ازمة قلبية، وقد احتشد مئات الكتاب والفنانين في مراسيم العزاء الذي اقيم له في اتحاد الادباء والكتاب الروس ودفن في مقبرة نوفودوفيتشي الشهيرة. مات بعيدا عن وطنه وقد اسقطت الحكومة التركية جنسيته التركية وحرمته من المواطنة. وفي سنة 2009 بقرار حكومي بموافقة البرلمان التركي أعيد الاعتبار لناظم حكمت واعيد له جنسيته التركية بعد ان تحول جسده الى تراب في مقبرة دولة أجنبية. وهكذا الزمن يدور بعكس الاتجاه والشاعر العالمي ناظم حكمت نزيل السجون في وطنه الذي مات في المنفى يعيد له الوطن

جنسيته الذي حرم منها ويسمح لاقامة ونصب تماثيله في أزمير وملاطيا ومدن وقصبات الوطن ويطالبون باعادة رفاته الى ارض الوطن.

ليس فقط ناظم حكمت كان ضحية الانظمة وهناك العشرات من الصحفيين والكتاب والمفكرين. صباح الدين علي عانى الويلات خاصة بعد نشر روايته الشيطان في أعماقنا، واضطر اخيرا الهروب عبر الحدود البلغارية وعثر عليه مقتولا. اما عزيز نسين او يلماز كوني فالقصة تختلف، وفي القائمة العديد من الاسماء، كمال طاهر، حكمت قفلجملي واخرين. ويبدو الاضطهاد الفكري لم يقتصر على المشاهير في العهد الجمهوري وانما المخضرمين ومفكري وكتاب فترة السلطنة تعرض العديد منهم للنفي والسجن والفصل من الوظيفة امثال شاعر الوطن نامق كمال ورضا توفيق وضياء كوك الب ورفيق خالد ويعقوب قدري وخالدة اديب وحتى الشاعر الكبير محمد عاكف الذي كتب النشيد الوطني التركي وقد اتهم في شبابه بانه احد اعضاء جمعية الاتحاد والترقي رغم اتجاهه الاسلامي حيث عاش في مصر سنوات وعاد الى الوطن وترجم اشعار سعدي شيرازي الى التركية من الادب الفارسي.

مصطفى

 * فنان تشكيلي وصحفي من جيل الرواد 

زر الذهاب إلى الأعلى