فكر وفن

نصير النهر سلام مسافر*

سلام مسافر*

لم نكن نسمع وقع خطواته في الممر المؤدي إلى غرفة “الصفحة الأخيرة”، لكن علامة دخوله كانت سحابة الدخان المنبعثة من سيجارته.

كان نصير النهر أول المداومين على تحرير الصفحة، وكان متابعو جريدة الجمهورية يقرأونها من “الأخيرة” مما أثار حسد الجيل القديم من صحفيي الجريدة الرائدة برئاسة سعد قاسم حمودي وفريق تحرير متميز. وقد تفتحت قريحة أحدهم لتأليف قصيدة هجاء باللهجة العامية، حيث لم يترك صاحبها أي عنصر من فولكلور شقاوات بغداد دون أن يسجله. وكان لنصير حصة في هذه القصيدة حتى كاد يختنق من الضحك حين قرأها، رغم أنها كانت “مجهولة القائل” حتى يومنا هذا. ومع ذلك، كانت هناك شكوك تحوم حول هوية الشاعر ، الذي لم يُعرف عنه قرض الشعر ولكنه كان معروفًا بالقص والقرض.

يفتح نصير النهر وعباس البدري “الكبنگ”، و يخطا بأقلام رشيقة حرفًا ومعنى؛ ناقلين أخبار العالم النادرة وأخبار الثقافة والمجتمع العراقي، وكان هذا القسم رحبًا واسعًا سنوات الأمل.

كان نصير النهر يكتب على أوراق صغيرة الحجم، كما يفعل طلبة الدراسات العليا. ولعل سليل العائلة الوطنية العريقة قد اعتاد على الكتابة بخطوط منمنمة على المناشير منذ أن انخرط في صفوف الحزب الشيوعي العراقي،وقد قدمت أسرته للحزب مناضلين ارتقوا إلى المشانق وتعرضوا للتعذيب والقمع. أما والده حسن النهر، فقد كان أحد أبرز الوجوه الديمقراطية في العراق منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى أواخر حياته، حين أصبح صالونه الثقافي والسياسي في دمشق أكثر المجالس تنوعًا؛ إذ احتست فناجين وكؤوس ضيوفه الكثير من الساسة، بعضهم لم يكن الشيخ الجليل حسن يحتمل وجوده، ولكنه كان كالنهر الذي تسبح فيه شتى أنواع الأسماك، بعضها أصبح حوتًا بعد الاحتلال، ابتلع كل ما في طريقه.

اختار نصير النهر الأخبار النادرة كما يفعل جامع الفراشات؛ فلم يُخطئ في العناوين ولم يضع سوى المتفرد والمثير والمعبر. كان كلاهما، نصير وعباس، قليلا الكلام لكن مسرفين في التدخين، في انتظار وصول التحقيقات والتقارير من محرري الصفحة التي مر بها جيل كامل من الصحفيين الشباب. مرت كتابات غالبيتهم تحت مبضع نصير النهر الحاذق والرقيق.

ينجز نصير قسمًا كبيرًا من مواد الصفحة المنوعة و يغادر في وقت العصر؛ وقلما كان يسهر معنا في جلسات نادي الإعلام أو اتحاد الأدباء أو جمعية الموسيقيين وغيرها. وكانت نوادي تلك الحقبة في السبعينات ساحات لنقاشات صاخبة بلا رقيب، حتى تناهى ضجيجها إلى مسامع أجهزة النظام، فقرر تغيير النهج السياسي من الانفتاح والتعددية إلى القمع والدكتاتورية، وكان محررو “الجمهورية” من أوائل ضحايا كوسج القمع.

كان اسم نصير النهر هو السادس بين الأسماء المنقولة إداريًا من المؤسسة الصحفية “دار الجماهير” إلى وزارات خدمية بتوقيع الرئيس أحمد حسن البكر في 12/4/1978. وقتها ، كانت حقيبته الصحفية مليئة بسنوات من العمل في مختلف الصحف والمجلات، وفيها تعرف على شريكة حياته الصحفية ندى النعيمي، وقد ذاع صيت تحقيقها في مجلة ألف باء بعنوان “الشوارع الخلفية” عن عالم الحب والعشق البريء في حواري وأزقة بغداد القديمة.

قضى نصير النهر سنوات في السجون، وكان قائدًا في الحزب الشيوعي العراقي ضمن تنظيم “القيادة المركزية” برئاسة عزيز الحاج، زوج شقيقة نصير النهر آمنة النهر قبل أن ينفصلا. وفيما غادر العراق عدد من الصحفيين الأحد عشر المبعدين عن “الجمهورية”، بما في ذلك كاتب هذه السطور، رابط نصير وزملاؤه الآخرون في الوطن،و تعرضوا للملاحقة ولكل المصائب التي عاشها العراقيون من حروب وحصار وعوز وفاقة، لكنهم صمدوا حتى النهاية ممسكين بالقلم، يتنفسون حبر المطابع وينتظرون ساعة الخلاص، وقد حلت بكارثة على العراق.

لم يفقد نصير الأمل، بل وصلت كتاباته الرشيقة وتقاريره اللامعة إلى الصحافة العربية،و قاوم الحصار بإرادة مستمدة من المناعة التي اكتسبها خلال الحياة السرية للحركة الشيوعية، وقد علمته ألا يساوم أو يهادن.

كما يدخل نصير بهدوء إلى الغرف، فإنه يقتحم عالم الشعر دون ضجة، ويحتفي بصدور ديوان “يا طارقًا بابي”. وفيه، تعبر مقاطع القصيدة عن الانتظار الأبدي للصحفي الشاعر:

يا طارقاً بابي / هل جئتني يوماً بأخبارِ؟ / عن أيِّما ليلٍ وسمّارِ؟ / أم عن حبيبٍ لستُ أدري أين؟ / ضيعتهُ في ملتقى الريحين / حبّي وأسفاري / أم جئتني تستاف قيثاري؟ / حطّمتهُ / جعلتُ من أخشابه ناري / ثم انتهت / لا شيء غير البرد في داري“.

نجح نصير النهر مثل مئات المثقفين العراقيين في تحقيق العدالة لأنفسهم حين رفضوا الانصياع للضغوط، وابتكروا بحرفية عالية طرقًا للتغلب على محاولات الترويض، وعاشوا حياة صعبة، فلم يفقدوا رؤوسهم وضمائرهم.

عمرًا مديدًا لأبي زينب ، وهو يقاوم المرض كما عارك الحياة ومصائبها بإرادة لا تلين.

  •  سلام مسافر  صحفي عراقي من جيل الرواد (صفحته على الفيس بوك) 

 

زر الذهاب إلى الأعلى