فلتكن مشيئة ترامب: لبنان عظيمٌ مجدداً! ساطع نورالدين

أصعب متاعب هذه الأيام، بل هذه الساعات، هي قراءة تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتلاحقة على شبكته الخاصة “تروث سوشيال” التي أطلقها قبل سنوات رداً على وسائل الاعلام الأميركي وشبكات التواصل الاجتماعي المناهضة له، في غالبيتها الساحقة ذات التوجهات الليبرالية. فما زال يصعب التمييز في ذلك السيل من التغريدات، بين ترامب – الرئيس الذي يحكُم ويدير ويبلِّغ، وبين ترامب الذي يسخر أو يمزح أو يخطىء أو يخدع أو.. ينتقم من الصحافة التقليدية التي يتحدث الى مندوبيها ومراسليها مرتين او ثلاث مرات في اليوم الواحد! تغريدات ترامب الأخيرة عن لبنان، التي اطلقها بالأمس، لا تبدد تلك الحيرة وذلك الشك في موقفه المتقلب الذي يمس مصائر دول وشعوب وأقدارها، ويسير بها على حافة الهاوية، بسرعة مذهلة وبخفة شديدة، تعبر عن ضحالة ثقافته ومحدودية تجربته، في السياسة الخارجية خاصة، فضلا عن غرابة سلوكه الشخصي الذي لم يبخل الاعلام الأميركي في تشريحه وصولا الى التوصية بعزله وتحويله الى مصح عقلي..برغم انه لا يزال يتمتع بغالبية حاسمة في مجلسي الكونغرس الأميركي، تحول دون مساءلته حول حرب إيران الأخيرة. لكن التجربة، والحاجة الملحة الى وقف الحرب الإسرائيلية، تفترض تنحية الحيرة إزاء تلك التغريدات اللبنانية المفاجئة، التي وصلت الى حد التكهن بأن شعار “لنجعل لبنان عظيما مجدداً” الذي رفعه ترامب وسبق له ان ظهر منذ سنوات في بعض الشوارع اللبنانية، يمكن ان يرتفع مجدداً على اطلال مدينة بنت جبيل، التي دمرها العدو الإسرائيلي، ويُكسب الرئيس الأميركي المزيد من الأصوات الانتخابية في ولاية ميتشغن حيث يقيم أغلب المهاجرين اللبنانيين من تلك المدينة الجنوبية العريقة منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، والذين سبق ان صوتوا بغالبيتهم لترامب في انتخابات الرئاسة العام 2024. الآن، المصلحة اللبنانية المباشرة، وليس بالضرورة الحكمة اللبنانية المفترضة، تقتضي نسيان ذلك الجانب من سيرة ترامب وحروبه على قطاع غزة وإيران ولبنان تحديداً، والتطلع قدماً الى ذلك ” القدر” الجديد الذي حل على لبنان، بإعتباره أخف نسبياً من القدر الإسرائيلي الذي كان ينذر بدمار لبناني شامل، والذي تلقى الأمر الصريح والمباشر من الرئيس الأميركي بوقف قصف لبنان، والإرشاد الجديد : “كفى يعني كفى”.. ومعالجة مشكلة سلاح حزب الله بالتي هي أحسن، من المذابح التي ارتكبها الإسرائيليون على مدى الأيام ال45 الماضية من الحرب. يمكن وضع هذه القراءة في سياق درء الشر الإسرائيلي المتمادي، ووقف السلوك الإسرائيلي الهمجي المتهور الذي قاد أميركا الى حروب لم تكن تريدها ولا مصلحة لها في الاستمرار بها الى ما لا نهاية. والانفتاح، أو الاختبار لوعد أميركي جديد ب”العظمة اللبنانية”، التي لا يمكن ان تنطلي على أي لبناني عاقل. المهم ان الحرب توقفت. وانضبطت إسرائيل في المسار الأميركي السليم، ولو الى حين، وسلمت في الوقت نفسه بأن لبنان، لن يكون لها (وحدها)، ولن يكون لإيران طبعاً مهما زعمت من دور في وقف اطلاق النار، بل هو لأميركا أولا وأخيراً، أو هكذا يبدو حتى الآن ! وهذا المسار الجديد للبنان مبني على كلمة الرئيس جوزف عون المتقدمة التي وجهها الى الشعب اللبناني مساء أمس، وعلى ما جاء فيها تحديداً من تحية الى الرئيس الأميركي “الصديق”، (والى الشقيقة الكبرى السعودية، التي كانت الشريكة في صدور قرار وقف النار). المجاهرة بالصداقة الشخصية مع ترامب، التي يتمناها معظم زعماء العالم على اختلاف مواقفهم من الرئيس الأميركي الحالي، تعبر عن إنجاز سياسي ودبلوماسي مهم للرئيس عون، وللبنان، يسهم في تفادي الخطر الإسرائيلي ويحسم الجدل حول موقف البيت الأبيض من رئيس الجمهورية اللبنانية، ويؤسس لعملية سياسية مهمة تهدف الى نزع سلاح حزب الله وتعزيز بنية الدولة اللبنانية ومؤسساتها لا سيما العسكرية منها.. في مهلة عامين ونصف العام بالحد الأدنى. لنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى: شعار ساذج، فارغ..لكنه مغرٍ.
بيروت في 18 / 4 / 2026