فكر وفن

 كان التجوال في رواق مكتبة البرلمان البريطاني  كرم نعمة

 

 

تجربة تهزّ القلب بين الحماس والحسرة. الحماس لأنك تمشي في ممرّات صُنعت فيها قرارات غيّرت وجه العالم، وتلمس رفوفا تحمل تاريخا سياسيا لا يُقاس بعدد صفحاته بل بعمق أثره. والحسرة لأن كل معلومة جديدة تصفعك بما يمكن أن أسميه المذلّة المعرفية؛ ذلك الشعور بأن العالم يواصل إنتاج المعرفة بينما نحن نواصل استهلاك الفتات. أن تقف في مكتبة تضمّ أكثر من 350 ألف مادة مطبوعة، إلى جانب المجلات والوثائق الرسمية والمصادر الرقمية الواسعة، يعني أن ترى أمامك دولة تؤمن بأن المعرفة ليست زينة، بل شرط من شروط الحكم. هذه المكتبة ليست مخزن كتب، بل ورشة تفكير مفتوحة لأعضاء البرلمان وللجمهور معا، تمنحهم ما يحتاجونه ليعرفوا، وليفهموا، وليحاسبوا. في تلك اللحظة، وأنت تتجوّل بين الرفوف، تدرك أن الأمم التي تحترم نفسها تبدأ من هنا: من مكتبة، من ورقة، من فكرة. وتدرك أيضا لماذا نشعر نحن — كلما عرفنا أكثر — بأن المسافة بيننا وبين العالم تتسع، لا تضيق.

 

زر الذهاب إلى الأعلى