تقارير إخبارية

عدد سكان العراق يركض نحو عتبة الخمسين مليون نسمة دون حزام أمان تنموي

تباطؤ التنمية وتقلص الموارد يحولان التزايد السكاني من فرصة إلى قنبلة ديمغرافية موقوتة.

مجتمع عراقي يتقدم بلا بوصلة في اتجاه المجهول

  بغداد – لم يمثل الإعلان الرسمي في العراق عن تجاوز عدد سكان البلاد الستة والأربعين مليون نسمة غالبيتهم من الشباب، بحسب نتائج التعداد السكاني الذي أجري قبل نحو عام، مبعث ارتياح وتفاؤل في البلد بقدر ما اعتبر صفارة إنذار بشأن عدم التكافؤ بين التزايد السريع في عدد السكّان ونسق التنمية الذي يوصف بالبطيء والعاجز عن مسايرة التطور المتسارع في حاجات هؤلاء السكان وغير الناجع في خلق الثروة وتنميتها، ناهيك عن عدم كفاءته في الحفاظ على الموجود أصلا من الموارد والثروات.

وأصبح التزايد السكاني في العراق صنوا لظهور معضلات ماثلة في الواقع اليومي من تناقص سريع وثابت في المياه وتراجع القطاع الزراعي والتوسع السريع في أحجام المدن نتيجة كثافة النزوح إليها من الأرياف التي لم يعد النشاط الزراعي فيها يفي بحاجات سكانها، وما يعنيه ذلك من مشكلات اجتماعية واقتصادية وحتى أمنية في تلك المدن ومن ضغوط هائلة على بناها التحتية الضعيفة والمهترئة.

كما أصبح أيضا عنوانا لتفشي البطالة وخصوصا بين الشباب نتيجة عجز الاقتصاد العراقي الريعي القائم بشكل شبه كلي على عوائد النفط عن خلق مواطن الشغل.

ولا ينطوي اعتماد العراق على تلك الثروة الزائلة فقط على مخاطر اقتصادية ومالية نتيجة عدم استقرار أسعار الخام في الأسواق الدولية وإمكانية تعرض تلك الأسواق لهزات ناتجة عن أحداث أمنية وتطورات سياسية إقليمية ودولية ممكنة، ولكنه يحمل أيضا معضلة مستجدّة تتمثّل في ارتفاع نسب تلوث الماء والهواء والتربة خصوصا في المناطق التي تتركز فيها أنشطة استخراج النفط وما يصاحبها من عمليات شديدة الضرر بالبيئة مثل عمليات حرق الغاز المصاحب التي تحوّلت في بعض المناطق مثل محافظة البصرة بالجنوب العراقي إلى كارثة صحية على السكان تلمس بوضوح في تفشي الأمراض التنفسية وسرطان الرئة والدم وغيرهما.

بلدان متقدمة تعاني ارتفاع نسبة كبار السن بين سكانها فيما يفشل العراق في استثمار عامل ارتفاع نسبة الشباب في مجتمعه

وتعاني العاصمة بغداد بدورها جرّاء التزايد السريع في سكانها مشكلات عويصة تتعلّق بالتشغيل والأمن والخدمات الأساسية والاختناقات المرورية، فيما باتت تصنّف ضمن أكثر مدن العالم تلوثا، بحسب تقرير حديث لمرصد “العراق الأخضر” أعلن خلاله عن رصد سحابة كثيفة من الغازات السامة فوق المدينة ناتجة بالأساس عن عمليات حرق النفايات.

وكشف التعداد السكاني الذي أجري في العراق في شهر نوفمبر من السنة الماضية وذلك لأول منذ حوالي أربعة عقود عن بلوغ عدد سكان البلاد 46118793 نسمة.

وبينما تعاني بلدان العالم المتقدمة وذات الاقتصادات الحيوية والنشطة من ظاهرة تهرّم السكان وارتفاع نسبة كبار السن بينهم ما يخلق مشكلة في الأيدي العاملة في تلك البلدان، فإن ارتفاع نسبة الشبان في المجتمع العراقي تمثّل للبلد مشكلة من نوع آخر تتمثل في عدم قدرته على الاستجابة لطلبات الشغل المتزايدة للعدد الكبير من الشباب بما في ذلك خريجو الجامعات.

وتشير البيانات المعلنة لنتائج التعداد السكاني إلى أن ستين في المئة من سكان العراق يقعون ضمن الشريحة العمرية بين 15 و45 سنة.

وحذر وزير التخطيط العراقي السابق نوري الدليمي من تداعيات النمو السكاني المتسارع في العراق والذي يقرّب عدد السكان من خمسين مليون نسمة.

ونقلت عنه وكالة شفق نيوز الإخبارية قوله إن استمرار إدارة الملف السكاني بالأساليب التقليدية سيضاعف معدلات البطالة ويزيد الضغوط على السكن والخدمات الأساسية.

وأكد على ضرورة تخطيط قائم على بيانات دقيقة، وإعادة توجيه الإنفاق الحكومي نحو مشاريع إسكانية وبنية تحتية وتنمية القطاعات الاقتصادية لاستيعاب القوى العاملة، مع الاستثمار في الشباب لتحويل النمو السكاني إلى قوة اقتصادية مستدامة.

كما نقلت الوكالة عن الخبير الاقتصادي أحمد عبدربه قوله إن رقم الخمسين مليون نسمة لا يمثل مجرد مؤشر ديمغرافي بل عامل ضغط مباشر على الاقتصاد والخدمات وفرص العمل والسكن.

الخطر لا يكمن في النمو بحد ذاته بل في سوء إدارة هذا النمو، خصوصا وأن سوق العمل غير قادرة على استيعاب مئات الآلاف من الشباب سنويا

وأكّد أن الخطر لا يكمن في النمو بحد ذاته بل في سوء إدارة هذا النمو، خصوصا وأن سوق العمل غير قادرة على استيعاب مئات الآلاف من الشباب سنويا مع استمرار محدودية الإنتاج الحقيقي واعتماد التوظيف الحكومي كحل سهل.

وحذّر من أن بطالة الشباب وتوسع الاقتصاد غير الرسمي يمثلان بيئة خصبة للاضطرابات الاجتماعية والهجرة غير الشرعية.

ووصف مشكلة السكن بالقنبلة المؤجلة، فـ”ارتفاع أسعار الأراضي وضعف التمويل العقاري وتوسع العشوائيات كلها مؤشرات تنذر بتحول المشكلة السكنية إلى أزمة اقتصادية ذات أبعاد أمنية“.

أما الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي وصحة وتعليم فهي، بحسب الخبير ذاته، تواجه ضغوطا تفوق طاقتها مع تمركز النمو السكاني في المدن الكبرى، ما يزيد كلفة الخدمات ويعيق التخطيط بعيد المدى.

ولفت إلى أنّ النظام المصرفي رغم محاولات إصلاحه ما يزال عاجزا عن دعم النمو وتمويل الإسكان والمشاريع الصغيرة والمتوسطة ما يبقي الاقتصاد أسير الإنفاق الحكومي الريعي.

وبشأن الحلول الكفيلة بمواجهة تلك التحديات يرى عبدربّه أنّها تتمثل أولا في انتقال حقيقي من اقتصاد استهلاكي معتمد على الدولة إلى اقتصاد منتج يقوده القطاع الخاص، كما يجب أن تكون الإصلاحات متوازية ومتزامنة تشمل سياسة إسكان واقعية ومموّلة بآليات عقارية حديثة وبرامج تشغيل وتدريب تستهدف الشباب وتحديث البنى التحتية وتنويع الإنتاج بعيدا عن النفط.

وخلص الخبير إلى القول إنّ تحويل النمو السكاني من عبء إلى فرصة يتطلب إرادة سياسية وإدارة كفؤة.

وتمكن العراق السنة الماضية من إجراء التعداد العام للسكان بعد أن ظل معطّلا لسبعة وثلاثين عاما بسبب الإشكالات القومية والإثنية المتعلّقة به ما جعل العملية تتحوّل إلى حدث سياسي تجاوزت بعدها التقني كإجراء روتيني لصيق بالاقتصاد والتنمية البشرية يمارَس بشكل دوري في أغلب دول العالم.

وقالت الحكومة في حملتها الدعائية للتعداد إنّه سيكون أساسا لتنشيط التنمية في المحافظات وتحسين الخدمات وتقليص الفقر وتوزيع الموارد بشكل أكثر عدالة بين الجهات.

لكن تلك الأهداف بدت مبالغة في طموحها خصوصا وأنّها تقفز على الأسباب الحقيقية التي حالت دون تحقيقها على مدى العقدين الماضيين وتتمثّل خصوصا في شيوع الفساد والطائفية السياسية والتنافس غير الشريف على السلطة والعجز عن إرساء استقرار أمني صلب وثابت، فضلا عن تورّط البلاد في سياسة المحاور التي تراعي مصالح وولاءات القوى الحاكمة أكثر مما تراعي المصالح الاقتصادية للبلد وشراكاته مع مختلف دول الإقليم والعالم.

عن جريدة (العرب) لندن

زر الذهاب إلى الأعلى