تقارير إخبارية

القدس القديمة: صراع الهوية والذاكرة في مواجهة محاولات إعادة رسم الجغرافيا

 

 الصورة  لموقع (الجزيرةنت) 

 في أزقة البلدة القديمة بالقدس، تتشابك الحكايات مع الحجارة العتيقة لتشكل ذاكرة عصية على الاندثار، رغم محاولات تغيير الرواية التاريخية للمكان. تشير الشهادات التاريخية إلى أن تقسيم المدينة إلى أحياء دينية (مسلم، مسيحي، يهودي) هو مفهوم مستحدث دخيل على الثقافة العربية، فرضه الأوروبيون خلال فترة الانتداب لتعزيز سياسات الفصل.

أفادت مصادر بأن هذا التقسيم لم يكن معروفاً قبل قرن من الزمان، حيث كان التداخل العمراني والاجتماعي هو السمة الغالبة. فالمساجد تقع في قلب حارة النصارى، والكنائس تصطف على طول درب الآلام في الحي الإسلامي، مما يعكس واقعاً معقداً يتجاوز أي محاولة للفصل القسري بين العقائد والسكان.

تعتبر ‘حارة الشرف’ التاريخية نموذجاً صارخاً لهذا التحول، فما يعرف اليوم بحارة اليهود لم يكن يمثل سوى نسبة ضئيلة من مساحة الحارة قبل عام 1948. ومع حلول نكسة 1967، أقدمت سلطات الاحتلال على هدم حي المغاربة التاريخي وتوسيع السيطرة على أملاك الفلسطينيين في المنطقة لبناء حي استيطاني جديد.

يقف المسجد العمري اليوم كشاهد وحيد وصامت على ما تبقى من معالم حارة الشرف التي طُمست هويتها العربية. وبجانب هذا المسجد، ترتفع قبة كنيس ‘تيفيرت إسرائيل’ في محاولة لفرض مشهد بصري جديد ينافس القباب التاريخية للمدينة، ضمن صراع محموم على الرموز والهوية البصرية.

تتعدد القصص الإنسانية التي تجسد الصراع القانوني، ومن أبرزها قصة عائلة برقان التي تمتلك وثائق عثمانية تثبت ملكيتها لمنزلها منذ قرنين. ورغم اعتراف القضاء الإسرائيلي بملكية العائلة، إلا أنه أصدر قراراً يمنع غير اليهود من السكن في تلك المنطقة، في مفارقة قانونية تشرعن الإحلال الديموغرافي.

أوضح المحامي محمد دحله، المختص في قضايا الاستيطان أن هذه البؤر الاستيطانية داخل الأحياء العربية تمثل عبئاً أمنياً واقتصادياً كبيراً. فالمستوطنون لا يستطيعون العيش فيها دون حراسة مشددة وكاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة، مما يكلف ميزانية الاحتلال مبالغ طائلة لتأمين وجودهم غير الطبيعي.

من الناحية الرقمية، تكشف البيانات التاريخية أن ملكية اليهود في القدس القديمة لم تتجاوز 2% من إجمالي العقارات حتى منتصف الستينيات. ومع ذلك، توسعت هذه السيطرة عبر وضع اليد والبحث في وثائق قديمة، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تمارس على السكان الأصليين لدفعهم نحو الرحيل.

يا جماعة الخير كيف بدنا نبيع شيء لا نملكه؟ كيف بدنا نبيع شيء وقف إسلامي؟ إحنا هون مجرد حراس.

يروي المقدسي ‘أبو خديجة’ جانباً من هذه الضغوط، حيث كشف عن تلقيه عروضاً مالية وصلت إلى 40 مليون دولار مقابل التخلي عن عقاره. وكان رده حاسماً برفض البيع، مؤكداً أن هذه الأملاك هي أوقاف إسلامية لا يملك أحد حق التصرف بها، وأن دور السكان يقتصر على كونهم حراساً لهذه الأمانة.

يرى باحثون في شؤون القدس أن المشروع الاستيطاني داخل البلدة القديمة لم يحقق أهدافه السكانية بالكامل، رغم كل الإغراءات. فغالبية المباني المستولى عليها تحولت إلى مدارس دينية يسكنها طلاب بشكل مؤقت، أو عقارات يملكها أثرياء يهود يعيشون خارج البلاد، مما يجعل الحي يفتقر للحياة الاجتماعية الطبيعية.

تخوض القدس اليوم ما يمكن تسميته بـ ‘حرب المطلات’، وهي محاولة إسرائيلية للسيطرة على المشهد العام للمدينة من الأعلى. عبر بناء قباب مرتفعة بالقرب من المسجد الأقصى وقبة الصخرة، يسعى الاحتلال لإيهام الزوار والسياح بهوية يهودية طاغية للمدينة، متجاهلاً آلاف السنين من الحضارة العربية.

يؤكد الخبراء أن لغة الناس، وأصوات الأذان، وقناطر المدينة القديمة، تظل هي الهوية الحقيقية التي لا يمكن طمسها بالأعلام أو الحواجز العسكرية. فالاحتلال يحاول إبراز وجوده عبر رموز مفتعلة، بينما تتحدث الجدران والأزقة لغة عربية إسلامية ومسيحية أصيلة لا تحتاج إلى إثبات.

إن الصمود الفلسطيني داخل البلدة القديمة لا يقتصر على البقاء المادي، بل يمتد إلى الحفاظ على الوعي الجمعي برفض التقسيم. فالمقدسيون يدركون أن المعركة هي معركة ديموغرافيا وسيطرة على الحيز العام، وأن كل بيت يتم الحفاظ عليه هو خط دفاع أول عن المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

رغم كل التحولات الجيوسياسية، تبقى العلاقة بين المقدسي ومكانه علاقة عضوية لا تقبل القسمة، حيث يفضل السكان العيش في ظروف صعبة داخل البلدة القديمة على الرحيل عنها. هذا التمسك هو ما أفشل العديد من المخططات التي كانت تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وتحويلها إلى متحف ديني مغلق.

في الختام، تظل القدس القديمة حكاية مستمرة من المقاومة اليومية، حيث يكتب السكان فصولها بصبرهم وثباتهم في وجه التغيير. إنها مدينة ترفض أن تُختصر في خرائط حديثة أو أسماء أحياء فُرضت بقوة السلاح، لتبقى روحها الأصلية هي الحقيقة الوحيدة الثابتة وسط ركام التحولات.

عن (القدس) الفلسطينية

زر الذهاب إلى الأعلى