باب انتخابي دوّار لا يفضي إلى وطن
العراقي اليوم لا يثق بصندوق الاقتراع، لأنه يعرف أن الصندوق لا يحمل وطنًا، بل يحمل إعادة تدوير للمأساة. يعرف أن المرشحين ليسوا أكثر من نفايات طائفية، وأن الأحزاب لا تريد له وطنًا، بل ساحة نفوذ.
في الحادي عشر من تشرين الثاني سيعاد تقدم نفس العرض الديمقراطي المزيف بوصفه حلا لمعضلة العراق المخطوف منذ 22 عاما، سيصوّت العراقيون مرة أخرى. لكنهم لا يختارون، بل يُعاد تدوير طبقة طائفية ولصوص دولة من الأوليغارشية الجديدة.
وجوه بالية، شعارات ممزقة، ووعود لا تصلح حتى لبيع الخردة.
الانتخابات؟ باب دوّار. يدخل منه لصوص الدولة، ويخرج منه أوليغارشيون بطبعات طائفية، ثم يعودون من ذات الباب، بأسماء جديدة، وخرائط وطن مسحوق الكرامة.
اثنان وعشرون عامًا من الفشل والفساد، لم تغيّر شيئًا في معادلة الحكم. بل رسّختها.
العملية السياسية بُنيت على فكرة غير وطنية: تقسيم العراقي على نفسه. طوائف وأقوام، عشائر وميليشيات. كل شيء إلا العراق. الوطن؟ بينما الوطنية العراقية تعني ببساطة متناهية أن العراق لايقبل القسمة إلا على نفسه.
العراق الوطن صار شعارًا يُرفع حين تُراد الحرب والتهجير والقتل على الهوية، ويُسقط حين يُطلب العدل. صار غائبًا في كل خطاب، حاضرًا في كل جنازة.
الانتخابات القادمة ليست حلًا. لأنها تُدار من ذات الأحزاب التي أجهضت ثورة تشرين، وقتلت صرختها، حين طالب الثوار بوطن، لا طائفة.
تشرين كانت محاولة لاستعادة العراق الحقيقي. لكن العراق المزيف استمر. بأحزابه، بميليشياته، بماله السياسي، وبسلاحه الذي لا يخطئ صدور الشباب.
في هذه الانتخابات، لا تُشترى الأصوات فقط، بل يُشترى الصمت أيضًا.
وكالة أسوشيتد برس وصفتها بأنها “الأكثر استغلالًا منذ عام 2003 من حيث المال السياسي وموارد الدولة”.
مزاعم الفساد وشراء الأصوات لم تعد مزاعم، بل وقائع يومية.
مسؤول في إحدى الحملات الانتخابية، رفض الكشف عن هويته، قال للوكالة إن “جميع المرشحين تقريبًا، بما في ذلك الكتل الرئيسية، يوزعون الأموال ويشترون بطاقات الناخبين”، ويصل سعر البطاقة إلى 300 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل 200 دولار.
الديمقراطية؟ تحوّلت إلى مزاد. من يدفع أكثر، يدخل البرلمان. ومن يصرخ أكثر، يُقمع.
الصحافة الغربية لم تكن غافلة. في تقرير لصحيفة الغارديان، وُصفت الانتخابات العراقية بأنها “عملية شكلية تُدار من خلف الستار”، فيما قالت فورن بوليسي إن “الطبقة السياسية العراقية نجحت في تحويل الديمقراطية إلى أداة لإعادة إنتاج سلطتها”. هذا ليس تحليلًا، بل شهادة وفاة للديمقراطية التي لم تولد بالأساس في العراق.
العراقي اليوم لا يثق بصندوق الاقتراع، لأنه يعرف أن الصندوق لا يحمل وطنًا، بل يحمل إعادة تدوير للمأساة.
يعرف أن المرشحين ليسوا أكثر من نفايات طائفية، وأن الأحزاب لا تريد له وطنًا، بل ساحة نفوذ.
في العراق، لا تُقاس الوطنية بالانتماء، بل بالولاء.
ولاء للطائفة، للعشيرة، للميليشيا، للحزب، للولي الفقيه.
أما العراق؟ فهو مجرد اسم يُستخدم في البيانات الرسمية، وفي نشرات الأخبار، وفي خطب الجمعة.
الانتخابات القادمة لن تغيّر شيئًا. لأنها لا تُدار من داخل العراق، بل من خارجه. من غرف مغلقة، ومن حسابات إقليمية، ومن مصالح لا ترى في العراق سوى ساحة تصفية.
الحل؟ ليس في صناديق الاقتراع، بل في الوصول في العملية السياسية إلى المعادلة الصفرية. حين يقدّم العراقي عراقيته فوق كل اعتبار. أريد له أن يعرف نفسه به، بعد أن استولى لصوص الدولة على المنطقة الخضراء.
الحل يكمن حين لا تكون الطائفة هوية، ولا العشيرة وطنًا، ولا الميليشيا دولة.
تشرين حاولت ذلك. لكنها قُمعت. لأنها كانت تهدد العراق المزيف، وتطالب بالعراق الحقيقي.
ذلك العراق الذي لا يُدار من طهران، ولا يُقسم في غرف الأحزاب، ولا يُباع في أسواق الولاء.
في كل انتخابات، يُقال إن الشعب هو من يختار. لكن الحقيقة أن الشعب يُختار له. يُختار له المرشح، والخطاب، والنتيجة، وحتى نسبة المشاركة.
هناك تكاليف باهظة لنجاح العملية السياسية في العراق، ولا أحد من المشاركين فيها يريد تسديدها، لأنه لا أحد أيضًا من سياسيي المنطقة الخضراء يريد التوقف عن حرق المليارات من أموال العراق في الفساد، فبمجرد اختلال المعادلة القائمة: سياسي فاسد مقابل شعب متضرر، سينفجر قدر الضغط الكاتم بوجه المنطقة الخضراء.
ذلك يعني أن “الغبار السياسي” الذي اشتراه كل من زار العراق من المسؤولين الدوليين خلال الأسابيع الماضية، لا يعني أن سوق العراق مزدهرة بالديمقراطية! فتلك وصفة قائمة للتزييف رسمها جورج بوش الابن وتوني بلير وصار العالم يتجنبها عندما يقدم له العراق كدرس تاريخي.
العراق لا يحتاج إلى انتخابات، بل إلى يقظة. إلى لحظة وعي جماعي تقول: كفى. كفى طائفية، كفى فسادًا، كفى تدويرًا للوجوه.
هل يمكن أن يولد العراق من جديد؟ ربما. لكن ليس من هذا الباب الدوّار الذي سيعاد تحريكه في الحادي عشر من تشرين الثاني المقبل.