فكر وفن

عين الحاسد تُبلى بالعمى! فلاح المشعل *

 عضةُ أسدٍ ولا نظرةُ حسدٍجملةٌ كُتبت بخطٍّ أسودَ واضحٍ على مؤخرةِ سيارةِ نقلٍ قديمة، تساقط لونُها الأحمر وتحول إلى ورديٍّ باهت. في الطريق من الناصرية إلى بغداد، تقرأ المدوناتِ الشعبوية على مؤخرات السيارات؛ عالمٌ من الحِكَم الكوميدية والمشاعر المتفجرة بسذاجة، يجمع الكوميديا بالتراجيديا الوطنية، وقد تقاسمتْه الشكوى وندبُ الحظِّ العاثر.

زرت خمس دول أوربية إضافة إلى اليابان وتايلند وأمريكا وسبع دول عربية، لم أجد هذا النمط من الثقافة أو الكتابات على واجهة وظهر سيارات النقل سوى في العراق، أنا أسميه “أدب السواق.

في أحد برامج “عالم الحيوان”، شاهدتُ مجموعةً من الضباع تهاجم أسدًا وتُشبعه عضًّا حتى الموت؛ فلم تُنقذه عضلاتُه ولا مخالبه من أنيابها، صار بعضهم يصف ما حدث للعراق بعد 2003 بأنه أشبه بفريسةٍ تناهشتها الضباع، وآخرون يقولون الذئاب، ويُعزى ذلك، في المخيال الشعبي، إلى “عين الحسد”. هذا الشعور ينتاب كثيرًا من أهل بغداد بعد أن عجزت تعويذة “أم سبع عيون” عن كفّ العين.

وبمناسبة “أم سبع عيون”، شاهدتُ في منطقة الجادرية، قرب ضفة دجلة، قصرًا هائلًا يشبه القلاع الملكية البريطانية، وقد عُلِّقت على بابه وجدرانه تمائمُ “أم سبع عيون”. وعندما سألت عن صاحبه، عرفتُ أنه من الذين أثرَوا في مواسم “الحواسم” والصفقات الفاسدة بعد 2003، وتمددوا في الجادرية وغيرها من المناطق الراقية التي كان يتعذر عليهم التجوال فيها.

مع كل موسمٍ سياسي أو تغيير نظام، تجتاح بغداد عواصفُ الأسى وفقدانُ الأمان أو الثروة والجاه، ولأن الذهن العراقي لا يتكلف كثيرًا في البحث عن الأسباب العميقة للانقلابات السياسية والأخلاقية، فإنه يميل إلى التعليل بالقدر وعين الحسود، وهو الاستنتاج الأقرب إلى الاسترخاء، وما تيسّر من إجابةٍ جاهزة.

من هنا رفعت بغداد شعارها القدري في البيت الشعري الشهير للشاعر الماجن عمرو الورّاق، الذي يرافق تأسي أهل بغداد منذ أكثر من ألف ومئتي سنة، ومع كل كارثةٍ أو مأساة، إذ يقول: مَن ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ألم تكوني زمانًا قُرّةَ العين!

* كاتب وصحفي عراقي ولد في العراق – محافظة ذي قار حاصل على شهادة البكلوريوس في العلوم السياسية، نشر في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية ،مثل جريدة الرأي الأردنية ومجلة الاسرة العصرية الإماراتية وجريدة الزمان اللندنية ومجلة الموسيقى العربية، ترأس تحرير جريدة الصباح.

@Falah_Almashal

صفحة الكاتب على منصة X

زر الذهاب إلى الأعلى