فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (45) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية محسن الموسوي: من ضفاف الحكاية إلى أفق العالمية… سيرة ناقدٍ أعاد كتابة السرد العربي

ياس خضير البياتي

حين تُستعاد سيرة الدكتور محسن الموسوي، لا تُقرأ بوصفها مجرد تعاقبٍ زمني لمناصب وكتب، بل تُستحضر كرحلة فكرٍ عابرٍ للحدود، تشكّلت بين ضفاف الذاكرة العراقية واتساع الأفق الإنساني.

من الناصرية حيث وُلد عام 1944، خرج صوتٌ سيغدو لاحقاً واحداً من أبرز الأصوات النقدية التي أعادت مساءلة السرد العربي، لا بوصفه تراثاً ساكناً، بل ككائن حيّ يتنفس في التاريخ ويتحوّل مع تحولات الإنسان.

في تلك البدايات الجنوبية، حيث تختلط الأسطورة بالماء، والقصص بأصوات الأنهار، يمكن أن نتلمّس البذرة الأولى لانشغاله المبكر بالحكاية.

لم يكن اختيار ألف ليلة وليلة لاحقاً محوراً لمشروعه النقدي الطويل صدفةً، بل كان استجابة عميقة لذاكرة ثقافية تشبّعت بفن القول، وبسؤال: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تعيش عبر العصور؟

حين انتقل إلى كندا لينال درجة الدكتوراه بتميّز عام 1978 من جامعة الهاوزي، لم يكن ذلك انتقالاً جغرافياً فحسب، بل عبوراً معرفياً نحو فضاء النقد المقارن.

هناك، كتب عن “ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنجليزي”، واضعاً النص العربي في قلب النظرية الغربية، لا على هامشها.

بهذا، بدأ مشروعه في إعادة التوازن بين المركز والهامش، بين ما يُقرأ بوصفه “تراثاً شرقياً” وما يُعاد اكتشافه كجزء من بنية الأدب العالمي.

توزعت محطاته الأكاديمية بين جامعة بغداد (1988–1990)، ثم جامعة صنعاء وتعز وجامعة عمّان الأهلية (1991)، وجامعة تونس الأولى (1992)، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويتبوأ لاحقاً موقعه أستاذاً للأدب العربي في جامعة كولومبيا، حيث استقر مشروعه النقدي في أفق عالمي،وكأنها خريطة فكرية ترسم انتشار مشروعه النقدي.

لم يكن أستاذاً تقليدياً، بل حاملاً لرؤية، يسعى إلى إعادة تعريف الأدب العربي في سياق عالمي، دون أن يفقد جذوره.

في الثمانينات، حين تولّى إدارة الشؤون الثقافية، إلى جانب رئاسة تحرير آفاق عربية والإشراف على سلاسل الكتب ومشاريع الترجمة، ورئاسة تحرير دورية “الاستشراق”، كان يعمل على جبهة أخرى موازية: جبهة الوعي الثقافي.

لم يكن الاستشراق لديه موضوعاً للنقد فحسب، بل أفقاً معرفياً لفهم كيفية تشكّل صورة الشرق في المخيال الغربي، وهو ما تجلّى لاحقاً في كتابه الاستشراق في الفكر العربي، حيث لم يكتفِ بنقد الآخر، بل مضى أبعد من ذلك إلى مساءلة الذات، وكشف آليات تمثّلها لنفسها داخل هذا الحوار المعقّد بين الشرق والغرب.

تبوأ الموسوي بكل جدارة كرسي إدوارد سعيد واحداً من أهم المفكرين في القرن العشرين.

كما تولى منصب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق خلال حقبة الثمانينيات تلك الفترة المثقلة بظلمة الحرب فأحيا فيها حركة أدبية نابضة جامعة بين الإبداع والنقد ومنشئة لمختبر ثقافي يرعى المواهب الشابة ويستقطب الأسماء الكبيرة من كل أركان الوطن العربي

أما مشروعه الأوسع، فيمكن قراءته عبر كتبه التي شكّلت حلقات في سلسلة واحدة: من عصر الرواية إلى ثارات شهرزاد: فن السرد العربي الحديث، وصولاً إلى انفراط العقد المقدس: الرواية العربية بعد محفوظ.

هنا، يبدو الموسوي وكأنه يتتبع تحولات السرد العربي من التأسيس إلى التمرد، من سلطة النص إلى حرية التأويل.

ولعل أكثر ما يميز مشروعه هو إصراره على قراءة ألف ليلة وليلة لا كنص تراثي مغلق، بل كفضاء ديناميكي يتفاعل مع الحداثة والعولمة.

في أعماله اللاحقة، مثل مجتمع ألف ليلة وليلة والذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة، تتجلى هذه الرؤية بوضوح: الحكاية ليست ماضياً، بل حاضراً مستمراً يُعاد إنتاجه.

وعندما يتحدث عن “التسليع العولمي” لليالي، فهو لا يرثي النص، بل يحلل تحوّله من فضاء الحكي إلى فضاء السوق؛ من صوت الحكواتي إلى منصات الإنتاج الثقافي الحديثة.

هنا، يتقاطع مع أفكار خورخي لويس بورخيس حول “السلالة المتخاصمة”، ليؤكد أن النصوص العظيمة لا تعيش إلا عبر إعادة إنتاجها، حتى وإن كان ذلك في سياقات متناقضة.

لقد حاز على جوائز مرموقة مثل جائزة العويس وجائزة الكويت في اللغة العربية وآدابها وجائزة الملك فيصل العالمية، غير أن القيمة الحقيقية لتجربته لا تكمن في الجوائز، بل في قدرته على بناء مشروع نقدي متماسك، يمتد لعقود، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى: ما الأدب؟ ما الثقافة؟ ومن يملك حق السرد؟

ولا يمكن الإحاطة بمسيرته دون التوقف عند بُعدٍ آخر يتجاوز الجغرافيا والمؤسسة، ليصل إلى ما يمكن تسميته بـ”عالميته النقدية”. لم تكن عالميته مجرد انتقالٍ بين جامعات مثل جامعة كولومبيا أو جامعة تمبل، ولا عضوية في مؤسسات كـ MESA، بل كانت رؤية فكرية تسعى إلى إعادة إدماج الأدب العربي في شبكة الأدب العالمي.

لقد تعامل مع النص العربي بوصفه شريكاً في إنتاج المعرفة، لا موضوعاً للدراسة فقط، فكتب بالإنجليزية كما بالعربية، وفتح قنوات حوار بين ثقافات بدت متباعدة، لكنها تلتقي في جوهر السرد الإنساني.

بهذا المعنى، كان مشروعه تفكيكاً لمركزية ثقافية، وإعادة توزيع للمعنى عبر لغاتٍ متعددة وسياقات متباينة.

وفي هذا السياق ذاته، يبرز دوره الحيوي في تطوير مجلة آفاق عربية بوصفها منصة ثقافية لم تكن تكتفي بالنشر، بل تسهم في تشكيل الذائقة النقدية العربية.

حين تولّى إدارتها والإشراف عليها ضمن عمله في الشؤون الثقافية خلال الثمانينات، سعى إلى تحويلها من منبر تقليدي إلى مختبر للأفكار، يلتقي فيه النقاد والكتاب من اتجاهات مختلفة.

أدخل إليها روح الحوار، وفتح صفحاتها للترجمة والنقاشات النظرية، مما جعلها فضاءً يعكس تحولات الثقافة العربية في زمنٍ كان يموج بالأسئلة الكبرى، فغدت المجلة امتداداً حياً لمشروعه النقدي، لا مجرد وعاءٍ للنشر.

أما على المستوى الإنساني، فإن سيرة الموسوي تكشف عن شبكة علاقاتٍ عميقة، لم تُبنَ على المجاملات الأكاديمية، بل على تفاعل حيّ مع طلابه وزملائه والمثقفين عبر العالم.

كان، في قاعات الدرس، أقرب إلى محاورٍ منه إلى مُلقّن، يُصغي كما يتكلم، ويستفز الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات.

هذه الروح الحوارية انعكست في علاقاته، حيث جمع بين صرامة الباحث ودفء الإنسان، فكان جسراً بين أجيال من الدارسين، ووسيطاً ثقافياً يربط بين الشرق والغرب لا عبر النصوص فقط، بل عبر العلاقات الإنسانية التي تؤمن بأن المعرفة فعلٌ مشترك.

وفي مساحةٍ أكثر حميمية من هذا المسار، تتقدّم الذاكرة الشخصية لتمنح السيرة بُعدها الإنساني المباشر. فقد تعرّفتُ إليه عن قرب حين كنّا نعمل معاً في دائرة الشؤون الثقافية؛ هو رئيس تحرير آفاق عربية، وأنا رئيس تحرير مجلة “فنون”. هناك لم يكن اللقاء مجرد تقاطعٍ وظيفي، بل تآلفاً في الرؤية وانسجاماً في الفكر والنقاش والمبادرة.

وجدته رجلاً “معيّة” بالمعنى العميق: حاضر الذهن، كريم الحوار، وشهماً في مواقفه، لا يتردد في الانحياز إلى ما يراه حقاً.

ومن المواقف التي لا تُنسى، ذلك الظرف العصيب أيام الحصار، حين كنت أرغب بالعمل في جامعة صنعاء، ولم تكن هناك درجة شاغرة. يومها لم يقف الأمر عند حدود التعاطف، بل تحوّل إلى فعلٍ نبيل؛ إذ بادر هو والصديق د. علي جعفر العلاق إلى دعمي، فعرفاني على الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح، الذي كان يشغل منصب رئيس الجامعة. وقدّماني إليه بصورةٍ تليق بالثقة والاحترام، فكان لذلك أثره المباشر في موافقته على تعييني. ورغم أن تجربتي هناك لم تدم سوى أسبوعين لسبب شخصي قبل أن أعود إلى العراق، إلا أن ذلك الموقف ظلّ شاهداً على معدن الرجال، وعلى تلك الروح الإنسانية التي تتجلّى في لحظات الحاجة.

هكذا، لا تبقى سيرة الموسوي محصورة في الكتب والمنابر، بل تمتد لتسكن ذاكرة من عرفوه، بوصفه إنساناً يحوّل الفكر إلى موقف، والمعرفة إلى فعلٍ نبيل.

إن سيرته في جوهرها هي سيرة مقاومة فكرية هادئة؛ مقاومة ضد التبسيط، وضد اختزال الثقافة في قوالب جاهزة.

لقد سعى إلى تحرير النص العربي من عزلته، وإدخاله في حوار كوني، دون أن يفقد خصوصيته.

وبين الناصرية وكولومبيا، بين الحكاية والنظرية، ظلّ وفيّاً لذلك السؤال الأول: كيف نحكي العالم… وكيف يعيد العالم حكايتنا؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى