مقالات رأي

مها أبو خليل – المناضلة الأنيقة   عبد الحسين شعبان

 

مها أبو خليل

            قبل ثلاث دقائق من وقف إطلاق النار وبداية الهدنة الهشّة بين لبنان وإسرائيل، سقطت خمسة مبان سكنية في مدينة صور بفعل غارات إسرائيلية، كانت مها أبو خليل تقطن في واحدة منها، وهي التي كانت لُقّبت بالمناضلة الأنيقة منذ أواخر الستينيات، حيث اشتهرت في محاولة خطف طائرة العال الإسرائيلية في العام 1969 من مطار أثينا الدولي، للضغط على إسرائيل لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين والعرب.

            وألقيَ القبض عليها مع رفيقيها سامي عبود وعصام ضومط بتهمة حيازة متفجّرات، وتصدّرت صورتها الصحافة العالمية وهي تبتسم رافعةً شارة النصر بأصابعها الجميلة وتسريحة شعرها المتميّزة، وبقيت صامدة في السجن حتى العام 1970، ثم خرجت بصفقة مشرّفة بين إسرائيل والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

            في تلك الفترة قرّرت الجبهة الشعبية إلفات نظر العالم إلى القضية الفلسطينية بالقيام بعدد من العمليات الخارجية، كي لا تبقى قضية لاجئين، وقاد تلك العمليات د. وديع حداد، المسؤول عمّا سُمّي بمهمات الفرع الخارجي، وكانت مها وقبلها ليلى خالد، التي عُرفت باسم “شادية أبو غزالة” من اللواتي انخرطن في هذا الجهاز الخاص.

            وكنت قد كتبت عن ليلى خالد مادة أدرجتها في كتابي “الزمن والنخب – في أنطولوجيا الثقافة العربية” (مطبعة الآداب – عمان، 2023) وهي بعنوان “ليلى خالد.. المقاومة بلا جغرافيا”، التي تعرّفت عليها في بغداد مع رفيقها عدنان البياتي (باسم العراقي المسؤول عن مطار الثورة في عمّان، 1970). وقد نظّمنا لها ندوة في جمعية الحقوقيين العراقيين، بمبادرة من د. منذر الشاوي حضرها 15 مختصًا، وكانت بعنوان “المقاومة في ضوء القانون الدولي”، وذلك تقريظًا لكتاب صدر حينها من مؤسسة الدراسات الفلسطينية العام 1968 بالمعنى ذاته.

            كُنت قد تعرّفت كذلك على مها أبو خليل من خلال زوجها الصديق الطيّار عبد النبي جميل، الذي جرت الإشارة إليه بعد رحيلها دون ذكر اسمه باعتباره كان سفيرًا للعراق، في حين أنه أحد كوادر الحزب الشيوعي العراقي، الذي قضى عدّة سنوات في سجن “نقرة السلمان” الصحراوي الشهير، وهو أحد شهود ما عُرف بحادثة قطار الموت، حين حُشر بضعة مئات من الضباط والقيادات الشيوعية في قطار للحمولة وليس للركاب، وزُفّتت أرضه وأُغلقت جميع منافذه، وطُلب من سائق القطار، وهو والد الصديق مظهر عبد العباس المفرجي، السير ببطيءٍ شديد، ولكنه استشعر أن ثمة أمرًا مريبًا يقف خلف ذلك. وبشهامته وحسّه الوطني، سار بسرعة فائقة وأوصلهم قبل الموعد المقرّر، وإلّا كان مصيرهم الاختناق والموت المحتّم، وهو ما رواه لي أيضًا بالتفصيل العقيد غضبان السعد، وسبق لي أن أشرت إليه في أكثر من مناسبة.

            عند حدوث العدوان الإسرائيلي على الأمة العربية العام 1967، وجّه عدد من الضباط الشيوعيين السجناء وأصدقائهم في سجن نقرة السلمان وسجن الحلّة والموقف العام في بغداد وغيره من السجون والمعتقلات العراقية، رسالة مفتوحة إلى الرئيس عبد الرحمن عارف، تطالبه بإرسالهم إلى الجبهة دفاعًا عن الوطن والأمة العربية، وتعهّدهم بالعودة إلى السجن بعد انتهاء الحرب، وكان من بينهم الضابط الطيار اللامع عبد النبي جميل (أبو أروى)، وكان لتلك الرسالة وقع كبير وصدى وطني واسع في العراق وخارجه، أظهرت وطنية الشيوعيين الصادقة ومواقفهم النبيلة إزاء الدفاع عن الوطن.

            حين أُطلق سراح عبد النبي جميل، التحق بالمقاومة الفلسطينية، واختار الجبهة الشعبية، وعمل في الفرع الخارجي مع وديع حداد، والتقى هناك بمها أبو خليل، ثمّ نُسّب لتدريب عدد من الضباط والمراتب في القوات المسلحة اليمنية، لكن صلته بالجبهة ظلّت وثيقة، وهو ما كنت أعرفه من د. جورج حبش وتيسير قبعة وبسام أبو شريف، وكان يتردّد على براغ بمهمات سريّة وخاصة، وكنت ألتقيه خلال زياراته المتعددة، يوم كنت طالبًا أحضّر للدكتوراه، ولم تكن التقاليد الحزبية والسياسية يومها تسمح بالسؤال عن تلك المهمات أو الزيارات، مثلما لم يكن لديّ مثل هذا الفضول.

            وحين قرّر الإقامة في براغ، كانت زوجته مها أبو خليل معه، وفي البداية لم أعرف أنها هي المقصودة بخطف الطائرات، إلى أن صادف وأن سردت عليّ تلك الواقعة، علمًا بأنها ابتدأت الدراسة متخصّصة بالإعلام في براغ، وأنجبت إبنتهما الوحيدة أروى، وكان زوجها عبد النبي جميل فخورًا وسعيدًا بها وباسم أروى الذي اختاره لإبنته. وفي هذه الفترة عُدت إلى العراق وانقطعت صلتي بهما وبالعالم الخارجي عمومًا بسبب إلتحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية، لكنه بعد خروجي مرّةً أخرة إلى المنفى، إلتقيت عبد النبي جميل ومها أبو خليل في براغ في العام 1985، واستمرّت علاقتنا، فعند كلّ زيارة لي إلى براغ كنت أحظى بدعوة منهما وبحضور الرفيق آرا خاجادور أحيانًا.

            وبعد انهيار جدار برلين في 1989 والإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية الواحدة تلوَ الآخر، حتى انتهى بتفكيك الاتحاد السوفيتي وتفرّق الجمهوريات المتحدة أواخر العام 1991، كانت مها وزوجها عبد النبي جميل شديدا الحزن والقلق، مع أنهما ظلّا خارج دائرة العمل العلني والعلاقات الاجتماعية الواسعة، على الرغم من سقوط النظام العراقي السابق بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003، حتى توفي عبد النبي جميل في العام 2017، وكنت قد عرفت قبل ذلك أن مها عادت إلى صور، لكنني لم ألتق بها خلال هذه الفترة، وكانت قد اشتغلت بالعمل الخيري والإنساني مع السيدة رباب الصدر شقيقة السيد موسى الصدر المختفي قسريًا في ليبيا منذ العام 1978.

            ظلّت صورة المناضلة الأنيقة مها أبو خليل في ذاكرتي التي حرّكها اغتيالها على يد القوات الإسرائيلية، التي ترصّدتها على مدى 57 عامًا حتى نالت منها في لحظة غدر سافرة، فقد أبت أبو خليل أن تغادر موقعها، على الرغم من الحروب والعدوانات المتكررة على مدينتها وعلى الجنوب اللبناني عمومًا. 

 

أكاديمي ومفكّر

 

زر الذهاب إلى الأعلى