مقالات رأي

حزب الله كشأن داخلي..تخونه الديموغرافيا الشيعية ساطع نورالدين

 

  شيئاً فشيئا، يقترب النقاش الداخلي اللبناني، في المنتديات والمجالس، من العناوين الجدية للمأزق الذي يعيشه البلد وأهله، هذه الأيام، بعدما استُنزفت الحوارات التلفزيونية وسجالات وسائل التواصل الاجتماعي، وتحولت الى شرارات تشتعل كلما أثير موضوع نزع سلاح حزب الله، وتشعل معها هواجس الحرب الاهلية، في ظل خسران الشيعة، ربما الى الابد، جزءاً مهماً من أرضهم التاريخية في جبل عامل، وعواقب ذلك على الديموغرافيا اللبنانية الحرجة.

ولعل المعضلة الأهم التي تواجه هذا النقاش، هي أن أحداً في لبنان لا يعرف بدقة ما الذي تريده إسرائيل.

الثابت الوحيد الان هو انها لا تتطلع الى وقف النار، وتوحي بأنها لم تنجز خططها العسكرية، المستمرة منذ خريف العام 2023، وهي بالتأكيد لا تود إجراء مفاوضات، أمنية او حتى سياسية، ولا تطمح طبعا الى معاهدة سلام مع لبنان في المدى المفترض للحرب، التي يبدو أنها لم تقترب من نهايتها.

والحافز المحدد والمعلن لذلك الموقف الإسرائيلي المتطرف، هو فك الارتباط التام بين لبنان وإيران، وليس فقط إبعاد القوة الإيرانية عن حدودها الشمالية.

وبالتزامن مع المضي قدماً في تنفيذ تلك الخطط العسكرية، تردد إسرائيل، على لسان كبار مسؤوليها، بيانات تزعم انه ليس لديها أطماع في الأرض اللبنانية، بل هي لا تزال تحترم الحدود الدولية للبنان، ولا تختلف مع الدولة اللبنانية سوى على بضع نقاط حدودية خلافية، يمكن حلها بسهولة.. وهو ما أضافت اليه قول رئيس اركان جيشها إيال زامير المفاجئ مؤخراً، عن أنها لا تستطيع وحدها تجريد حزب الله من السلاح، إلا إذا لجأت الى إحتلال لبنان بالكامل، وهو ما لا ترغب به، ولا تقدر عليه.

ومع هذا الكلام الذي ينفي الرغبة بالاحتلال الكامل، والمبني حتما على تجربة فشل آخر احتلال شبه تام للبنان في العام 1982، وما رافقه من جدول أعمال سياسي ليس له أثر حتى الان في الخطاب الإسرائيلي الراهن، وليس له سند حتى الان أيضاً في الداخل اللبناني، تم وقف النار الحالي، الذي يشمل بيروت والضاحية فقط، والذي رتبه الرئيس دونالد ترامب وأرفقه بالقول أنه سيجري العمل مع الدولة اللبنانية لايجاد “حل مناسب” لمشكلة سلاح حزب الله التي لم تعد مهمة إسرائيل الحصرية.

ثم جاء كلام سفيره في تركيا طوم باراك في منتدى انتاليا الأخير عن الحاجة الى البحث عن مسار سياسي جديد لمقاربة هذه المشكلة، تشمل التمييز في المرحلة الأولى بين الجناح السياسي والعسكري للحزب.. مع ما يستدعيه ذلك الكلام من تشكيك في السفير نفسه، وما اذا كان يعبر عن اجتهاد شخصي أم عن موقف رسمي، أميركي (أم تركي).

ا لمهم الآن ان ثمة توجهاً إسرائيلياً واميركياً لتحويل حزب الله الى مشكلة داخلية تقع مسؤوليتها الرئيسية على الدولة اللبنانية، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مؤتمره الصحافي مع رئيس الحكومة نواف سلام، بقوله ان حزب الله شأن داخلي لبناني، تعالجه الدولة بالاسلوب الذي تراه مناسباً، بما في ذلك اللجوء الى السياسة البعيدة المدى او حتى القوة ، التي تتطلب المضي قدماً في دعم الجيش اللبناني ، بما يقدره الخبراء ، وما يطلبه الرئيس جوزف عون، أي نحو مليار دولار سنويا ولمدة عشر سنوات.

حزب الله كشأن لبناني، يعني حتماً تحديد أفق الحرب، وربطها بما ينفذه الجيش اللبناني من مسار بعيد المدى يبدأ باسترداد الأراضي المحروقة في الجنوب، من دون قوات اليونيفيل، وينتهي باتفاق عسكري أمني بديل لكل ما وقع بين الدولتين منذ اتفاق الهدنة وحتى اليوم.

وهو ما يتطلب مفاوضات وتفاهمات قد تستغرق سنوات من التجارب والاختبارات.. ويرجى (بشكلٍ ملحٍ) ان تشمل من الجانب اللبناني اقتراحاً جدياً ببناء جدار على طول الحدود الجنوبية البالغ 120 كيلومتراً، من دون بوابات او معابر، يشبه الجدار المشاد في الضفة الغربية، يسدل الستار على تاريخ التورط اللبناني المدمّر في الصراع العسكري مع العدو. صحيح ان التوصية الإسرائيلية والدولية باعتبار ما تبقى من سلاح ثقيل لدى حزب الله شأناً داخلياً يدعم سرديته بأنه صمد وبقي على قيد الحياة لفترة أطول مما هو متوقع، ويقفل سلفا السجال الموصى به حول الفصل بين جناحي الحزب السياسي والعسكري، لكن خطورتها تكمن في انها تفتح الباب على تحول الحزب الى قوة تمرد او شغب في الداخل اللبناني تحميه من تقديم التنازلات المطلوبة، للدولة والمجتمع اللبناني، وتستخدم الحد الأقصى من الضغط، بما في ذلك استخدام سلام النزوح والتغيير الديموغرافي في لبنان، كأداة في الصراع المقبل مع بقية الشركاء في الوطن.

وعليه، يصبح هؤلاء الشركاء امام مأزق الحوار مع حزب الله، او العزل لذلك البنيان العسكري والسياسي والاجتماعي الذي كان في وقت من الأوقات أقوى من الجيش اللبناني، لكنه تعرض لضربة قاسية، وما زال يشعر أن إيران المحطمة، كنظام ودولة، والمهددة بزلزال قوي، هي مرجعه وملاذه ومصدر قوته، وهي التي تمنع اندماجه في “الشأن اللبناني“.

(مساهمة في نقاشات مغلقة جرت في “النادي الثقافي العربي” و”كلنا إرادة)

 بيروت في 29/ 4 / 2026

صفحة الكاتب على منصة X

@NSateh

https://x.com/i/status/2049418357267365917

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى