ذاكرة مصنوعة للعراق المزيف! كرم نعمة

أثار الجدل حول إصلاح مناهج التاريخ في بريطانيا، سؤالا بسيطا في ظاهره، عميقًا في جوهره: من يملك حق رواية الماضي. وكتب ستيفن بوش في صحيفة فايننشيال تايمز أن المقترحات الجديدة تكشف “جاذبية الشعبوية اليمينية التي تبحث عن تاريخ مطمئن، لا تاريخ حقيقي”.
هذه الجملة وحدها تصلح مفتاحًا لفهم ما جرى في العراق بعد عام 2003، لكن بصورة أكثر قسوة، لأن العراق لم يدخل في نقاش حول المناهج، بل دخل في عملية إعادة اختراع للذاكرة نفسها كبديل طائفي للذاكرة الحقيقية استهلها في ديباجة الدستور المسخ الذي كُتب بإشراف الحاكم المدني الأميركي بول بريمر إبان احتلال البلاد وبلمسات مستشاره نوح فيلدمان.
في بريطانيا، مهما اشتدّ الجدل، تبقى المؤسسات الأكاديمية والصحافة المستقلة قادرة على تفكيك الخطاب السياسي. أما في العراق، فقد جرى التعامل مع الذاكرة بوصفها مادة خاما يمكن صهرها وإعادة تشكيلها وفق احتياجات السلطة الجديدة. لم يكن الهدف مراجعة الماضي أو فهمه، بل إنتاج ماض بديل، ماض ينسجم مع سرديات طائفية صاعدة، ويمنحها شرعية رمزية.
يشير ستيفن بوش إلى أن الجدل حول منهج التاريخ ليس نقاشا أكاديميا بقدر ما هو معركة سياسية حول الهوية البريطانية. فالمقترحات الجديدة التي تدفع بها قوى يمينية تسعى إلى تقديم تاريخ “مبسّط” و”مطمئن”، يركّز على أمجاد الإمبراطورية البريطانية ويتجنب الجوانب المظلمة أو المثيرة للجدل. هذا التوجه يعكس، بحسب المقال، جاذبية الشعبوية اليمينية التي تقدّم رواية سهلة للهُوية في زمن يشعر فيه كثيرون بالقلق من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية.
هذا بالضبط ما حدث في العراق، لكن بطريقة أكثر فجاجة. فبدلًا من تقديم سردية وطنية موحّدة، جرى تفكيك الذاكرة إلى روايات متصارعة، كل واحدة منها تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. ولم يكن هذا التفكيك نتيجة بحث أكاديمي أو مراجعة نقدية، بل نتيجة استدعاء انتقائي لنصوص دينية وتاريخية، بعضها ملفّق وبعضها منسيّ، وإعادة تقديمها بوصفها “مراجع مقدسة”. وظيفتها لم تكن المعرفة، بل إثارة الضغينة، وتحويل الماضي إلى ساحة صراع يومي.
في العراق، تحوّل التاريخ إلى فيلم سينمائي يُعرض كل يوم في الشوارع والميادين والشاشات، وكأن أحداثه وقعت بالأمس. مشاهد من القرن الأول الهجري تُقدَّم كما لو أنها جزء من نشرات الأخبار، وتُستخدم لإعادة تقسيم المجتمع على نفسه. لا أحد يسأل: لماذا نُعيد تمثيل هذه المشاهد الآن؟ ولا أحد يناقش ما الذي نفعله بأنفسنا حين نعيش في ذاكرة ليست ذاكرتنا ونسير ونحن نيام صوب الخرافة التاريخية.
“التاريخ الحقيقي يقوم على تحليل الأدلة وفهم التعقيد”. لكن العراق المزيف، منذ 2003، اختار الطريق المعاكس، تاريخا بلا أدلة، بلا تعقيد، بلا نقد، تاريخا يُعاد إنتاجه في الخطب، وفي الإعلام، وفي الطقوس، وفي المناهج غير المعلنة التي يتلقاها المجتمع يوميًا، تاريخا لا يهدف إلى الفهم، بل إلى تثبيت الانقسام.
الأمثلة كثيرة، تبدأ من نوري المالكي الذي قسم العراقيين إلى جيش الحسين وجيش يزيد وتستمر إلى مجالس تُستدعى فيها وقائع عمرها أكثر من ألف عام لتبرير مواقف سياسية معاصرة. خطب تُحوّل شخصيات تاريخية إلى رموز للولاء والعداء. مناهج غير رسمية تُلقّن الأطفال أن الماضي لم ينتهِ، وأنهم ورثة صراع لا خيار لهم فيه. إعلام يقدّم التاريخ كمعركة مفتوحة، لا كدرس في الفهم.
في جوهر الفكرة، لا يتعلق الأمر فقط بتزييف وقائع أو تضخيم أخرى كما يحدث مع التاريخ السياسي القريب جدا في العراق، بل بتغيير وظيفة الذاكرة نفسها. الذاكرة في المجتمعات السوية تعمل كجسر بين ما كان وما يمكن أن يكون، أما في العراق المزيف فقد تحولت إلى جدار عازل يمنع أي عبور نحو المستقبل. حين تُصاغ الذاكرة لتخدم هوية طائفية، فإنها تكفّ عن أن تكون ذاكرة وطن، وتصبح أرشيفًا للثأر المؤجل. هنا يصبح الماضي ليس ما نتعلم منه، بل ما نُستدعى للقتال من أجله كل يوم.
وإذا كانت الشعبوية في بريطانيا، تبحث عن “تاريخ مطمئن” يخفف قلق الحاضر، فإن الشعبوية الطائفية في العراق تبحث عن تاريخ ملتهب يبقي الحاضر في حالة طوارئ دائمة. فالتاريخ المطمئن ينتج ناخبًا خائفًا من التغيير، أما التاريخ الملتهب فينتج مجتمعًا خائفًا من بعضه البعض. في الحالتين، تُختطف السياسة من بوابة المناهج والذاكرة، لكن الفارق أن الديمقراطية هناك تضع حدودًا للعبث، بينما غيابها هنا يترك الباب مفتوحًا أمام تحويل البلد كله إلى مختبر لنسخ متتالية من الماضي.
في بريطانيا، الجدل حول المناهج يمر عبر لجان، وجامعات، وصحافة قادرة على كشف التلاعب. أما في العراق، فالصورة أكثر خيبة، لا مؤسسات تحمي الذاكرة من التزييف، ولا بيئة سياسية تسمح بنقاش حر حول الماضي. لذلك لم يكن الصراع على التاريخ صراعًا على المعرفة، بل صراعًا على ملكية الذاكرة.
النتيجة أن العراق يعيش اليوم بذاكرة مصنوعة، ذاكرة لا تشبه تاريخه الحقيقي حتى القريب منه، ولا تساعده على بناء مستقبل مختلف. ذاكرة تُعيد إنتاج الجرح بدل أن تعالجه، وتحوّل الماضي إلى سلاح بدل أن يكون درسًا. المفارقة أن الجدل البريطاني، بكل ما فيه من توظيف سياسي، يبدو ترفًا ديمقراطيًا مقارنة بما حدث في العراق. هناك، يُناقش التاريخ داخل المؤسسات. هنا، يُعاد تشكيل التاريخ خارج أي مؤسسة.
الدرس الحقيقي، ليس في محتوى المناهج، بل في الطريقة التي تُستخدم بها المناهج كأداة سياسية في العراق اليوم. فالصراع حول التاريخ يكشف هشاشة الهوية الوطنية المعاصرة، ويكشف أيضًا قدرة الطائفية على تحويل حتى المناهج الدراسية إلى ساحة معركة رمزية.
وما لم يستعد العراق ذاكرته الحقيقية — تلك التي تجمع ولا تفرّق، وتفهم ولا تحاكم — سيظل يعيش في فيلم لا ينتهي، فيلم لا يروي الماضي، بل يبتلعه.
عن جريدة (العرب) اللندنية