خطاب يبحث عن أمجاد مستعارة !! كرم نعمة

مع الضجيج الإيراني الفارغ الذي يبحث في هوامش التاريخ عن أي انتصار أجوف يخفف من عزلته، وجدت طهران نفسها هذا الأسبوع تسخر من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لمجرد التقاطه صورة مع زوجته أمام تاج محل، واصفةً إياه بالجاهل بالتاريخ بزعم أن الصرح «فارسي» الأصل.
لكن قبل الانجرار خلف هذا التهريج الدعائي، يجدر بنا العودة إلى ما ذكره العلامة العراقي الدكتور حسين علي محفوظ، أحد أهم المراجع في التاريخ الإسلامي، والضليع النادر في المخطوطات الفارسية والعثمانية. تميّز محفوظ عن أقرانه بمعرفة واسعة باللغات الشرقية، وعلى رأسها الفارسية، وقد نال الدكتوراه في هذه اللغة من جامعة طهران عام 1955، ما أتاح له الغوص في المخطوطات الفارسية القديمة ومنحه معرفة دقيقة ونادرة بتاريخ العمارة الإسلامية.
وفي محاضرة ألقاها الدكتور حسين علي محفوظ على طلبة قسم العمارة في كلية الهندسة بجامعة #بغداد في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وقدّمه فيها المعماري العراقي الشهير الدكتور إحسان فتحي، قال محفوظ بالحرف الواحد: إن المعماري البغدادي (واجد) كان أحد أبرز المهندسين المشاركين في تصميم ضريح تاج محل في أغرا بالهند، الذي شيده الشاه جيهان لزوجته الثالثة ممتاز محل بين عامي 1632 و1653، والذي يُعد إحدى أعظم درر العمارة الإسلامية في العالم.
وأوضح محفوظ أنه توصّل إلى هذه الحقيقة من خلال مراجعة مخطوطات شرقية نادرة، وأن للمهندس البغدادي أثراً حاسماً في إدخال «المثمن البغدادي» في تصميم الضريح، وهو عنصر معماري لا يمتّ بصلة إلى العمارة الفارسية، بل إلى تقاليد بغداد المعمارية.
بهذا المعنى، فإن محاولة #إيران اليوم الاستحواذ على تاج محل، وكأن روبيو قد اضافه إلى عقارات #ترامب! ليست سوى امتداد لخطاب يبحث عن أمجاد مستعارة، بينما تشهد المخطوطات — لا الشعارات — بأن العمارة الإسلامية كانت فضاءً مشتركاً ساهمت فيه بغداد كما ساهمت فيه دلهي، وأن التاريخ لا يُكتب بالهتاف، بل بالوثيقة.