نداء ضد المقاومة نفسها..لا الحزب وحده ساطع نورالدين

ليس من العار ان يوصف نداء صور والنبطية، الموجِع، بانه صرخة استغاثة موجهة الى الدولة اللبنانية ودول العالم كافة، ولا من الحرج ان يصنف تمرداً شعبياً على سلطة وسطوة حزب الله، ولا من الخطأ طبعاً إعتباره انتفاضة عفوية في وجه إيران.. كل ذلك لا ينتقص من الحس الإنساني البليغ الذي حفز توقيعه ونشره، بدافع القول ان الانتحار ليس خياراً بشرياً عاقلاً.
النداء هو ذروة تعبير مجرد عن غريزة البقاء، لا يحتاج الى الاندراج في الشعار الابله: “نحن نحب الحياة”، لأنه يتقدم على كل ما عداه من شعارات متداولة من مختلف الجماعات الطائفية والسياسية في لبنان، باعتباره صادراً من قلب الجحيم الذي يصنعه العدو الاسرائيلي في الجنوب اللبناني المعذب منذ نحو قرن مضى، ليندرج في المستقبل في سجل التحولات السياسية الأبرز في التاريخ اللبناني الحديث.. على الرغم من أنه ليس استثناء جنوبياً، ولن يكون هباء منثورا.
الحق في العيش لا يحتمل الجدال او النقض.
والصرخة الآتية من الجنازات المبتورة، ومن فوق الجثث التي لم تعد تجد لها قبوراً ومن تحت ركام البيوت المفتتة التي لم يبق لها أثر، ومن ذكريات العائلات التي أبيدت بالكامل ولم يبق منها سوى صورٍ وهويات ممزقة..هي صرخة لا يمكن ان تحفظها السماء وتحميها عليها، إذا لم تترجم الى نص جريء، مباشر، يختصر تاريخاً من العذاب الجنوبي، ويوجه إصبع الاتهام والمسؤولية، الى المقاومة، الى حزب الله، ويطالبها صراحة بأن تغادر الحاضرتين الجنوبيتين المهددتين بالزوال من الوجود.
ولعله أول وأرفع تعبير علني عن الاعتراض على المقاومة، منذ ان تشكل حزب الله في منتصف ثمانينات القرن الماضي، على فكرة جوهرية مزدوجة، هي تطوير الصراع مع العدو، الذي كان يساريون قد بدأوه من قبل، مستندين الى تجربة فلسطينية بائسة، نبذها الحزب نفسه، حسب ما يرد في أدبياته السياسية الأولى، وفي خطابات أمينه العام الأول والثاني، باعتبارها استعراضية، تفاوضية، تعتمد على إطلاق صاروخ الكاتيوشا، لتستدرج المفاوض الإسرائيلي، فتتسبب بخراب ودمار في قرى جنوبية ليس فيها ملجأ ولا حتى مستوصف.. ومن دون مبالغة او مواربة، يمكن أن يدرج هذا النداء الثنائي، في ذلك الخطاب التأسيسي الذي اطلقه حزب الله، ليصل الى نتيجة مؤداها ان ثمة جنوبيين معتبرين باتوا يجاهرون اليوم بموقفهم المعترض على فكرة المقاومة نفسها، التي تنذر الآن بمحو الجنوب عن الخريطة اللبنانية، وتقتلع الشيعة من أرضهم التاريخية التي عاشوا فيها لقرون طويلة.
وهذا الموقف بالتحديد ليس جديداً على الجنوبيين، فقد ألمحوا اليه بعد إخراج المحتل الإسرائيلي في العام وتوسلوا أن يكون التحرير يومها خاتمة الاسهامات اللبنانية الباهظة الاثمان في الصراع العربي الإسرائيلي.
وهو موقف تجدد بقوة خلال حرب العام 2006، لكنه خبا بسرعة تحت وطأة إدعاءات النصر الإلهي يومها.
النداء الثنائي، الذي يرجى ان يتطور الى نداء جنوبي، ووطني سهل التوقيع، يمكن ان يترجم الى عبارة صريحة: لا لمثل هذه المقاومة بعد اليوم، أو حتى : لا نريد ولا نحتاج الى مقاومة.. يقولها جنوبيون كثيرون يتمردون هذه الأيام على المقاومين ويمنعوهم من دخول بيوتهم وعبور حقولهم، ويطالبونهم بالتوقف عن اطلاق الصواريخ والمسيّرات من داخل القرى ومن أطرافها.. من دون ان يتعرضوا للاتهام بانهم عملاء او جواسيس.
وهو ما يفتح الباب على واحد من أهم المخارج من الحرب، وهو اقتناع المقاومة بالتخلي فقط عن استخدام الصواريخ والمسيّرات، التي لا يمكن لأحد أن يقتنع بانها تصد العدو او تحد من وحشيته.. أو تخدم الحليف الإيراني في مفاوضاته المكلفة.
لم يفت الأوان على توصل حزب الله الى مثل هذا الاقتناع، الذي يمهد لأشكال وأساليب وأدوات أخرى من المقاومة، كانت ولا تزال متاحة، من دون الاستسلام لفكرة الحزب ان الآخرة هي وحدها خلاص الجنوب والجنوبيين.
بيروت في 31 / 5 / 2026
صفحة الكاتب على منصة X
Sateh Noureddine
@NSateh
https://x.com/NSateh/status/2060934447436837312