فكر وفن

مبدعون في الذاكرة (52) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية د. صباح ناهي: من “الجمهورية” إلى “العربية”… سيرة إعلامي عبر العواصف ياس خضير البياتي

 

ياس خضير البياتي

في الذاكرة العراقية، حيث تتقاطع السياسة بالإعلام، وتتشابك الحقيقة مع ضجيجها، تبرز بعض الأسماء بوصفها شواهد حيّة على زمنٍ كامل، لا مجرد أفراد مرّوا في المهنة. ومن بين هذه الأسماء، يسطع اسم الدكتور صباح ناهي، لا ككاتب أو أكاديمي فقط، بل كإعلامي تشكّل وعيه في قلب العاصفة العراقية، وظلّ شاهداً على تحوّلاتها الكبرى من الداخل، لا من الهامش.

ولد عام 1955، في مركز قضاء الشطرة بجنوب العراق، في أرض ذي قار التي تتراقص فوقها أنوار التراث وتتموج أنهارها بحكايات الآباء والأجداد.

بدأت سيرته العلمية من بغداد، تلك المدينة التي كانت وما تزال جامعة مفتوحة على التاريخ والجدل والمعرفة.

فيها تدرّج في الدراسة من المراحل الأولى حتى الجامعة، متشرباً ثقافة العاصمة التي لا تعطي أبناءها المعرفة فقط، بل تعلّمهم أسئلة الوجود أيضاً.

وفي هذا المناخ، تبلورت ملامح وعيه الإعلامي المبكر، وهو لا يزال في السنة الثانية من دراسته الجامعية، حين دخل عالم الصحافة محرراً في جريدة “الجمهورية”، ليبدأ مساراً مهنياً امتد نصف عمره الصحفي تقريباً داخل أروقة تلك الجريدة، متولياً إدارة صفحتها الأخيرة بتميز لافت، كأنما كان يختبر هناك صلابة الكلمة في مواجهة الزمن.

لكن المسار الأكاديمي لم يكن بعيداً عن هذا الحضور الصحفي الكثيف؛ فقد واصل بناءه العلمي حتى نال شهادة الماجستير عام 1990 عن دراسته “اتجاهات الصحافة الخليجية إزاء الحرب العراقية – الإيرانية”، بإشراف الدكتور حامد ربيع، الذي رحل أثناء البحث، ثم أكمل الإشراف عليه الدكتور هادي الهيتي، رحم الله الجميع.

كانت تلك الرسالة، في جوهرها، محاولة مبكرة لفهم علاقة الإعلام بالسياسة في زمن الحرب، حين كانت الكلمة جزءاً من المعركة، لا مجرد ناقل لها.

ثم جاءت محطة الدكتوراه عام 1999، عن أطروحته الموسومة “خصائص الجمهور العراقي في التعرض لوسائل الإعلام – دراسة ميدانية في مدينة بغداد”، بإشراف الدكتورة حميدة سميسم.

في هذه المرحلة، انتقل صباح ناهي من تحليل الخطاب الإعلامي إلى تحليل المتلقي نفسه، وكأنه يقترب أكثر من جوهر المعادلة: كيف يفكر الجمهور، وكيف يُصنع وعيه في بيئة مضطربة سياسياً وإعلامياً.

وفي موازاة ذلك، ظلّت بغداد هي المدرسة الكبرى التي لم يغادرها أبداً؛ مدينة تعلمه الصبر، وتمنحه طبقات من الثقافة اليومية، وتضعه باستمرار أمام امتحان الفهم العميق للإنسان العراقي، في فرحه وقلقه وانقساماته.

في نهاية الثمانينات، دخل صباح ناهي الحياة النقابية الإعلامية عضواً في لجان نقابة الصحفيين العراقيين، ثم عضواً في مجلسها، وصولاً إلى موقع أمين السر في منتصف التسعينات، وهي مرحلة دقيقة من تاريخ العراق، كانت فيها الصحافة تتحرك بين السياسة والرقابة والواقع المضطرب.

غير أن مساره النقابي لم يخلُ من المنعطفات، إذ أعفي من منصبه عام 1998، في سياق سياسي معقد، قبل أن يعود لاحقاً نائباً للنقيب بتكليف عام 2001، في دلالة على استمرار حضوره رغم تقلبات المشهد.

وفي العام ذاته، تولّى إدارة صحيفة الناصرية، لسان حال المحافظة، في تجربة إضافية أكدت حضوره الإداري داخل الصحافة المحلية، قبل أن ينتقل إلى محطة أكاديمية مهمة، حين كُلّف بإدارة إعلام وعلاقات رئاسة جامعة بغداد لمدة ثلاثة عشر عاماً متواصلة، وهي واحدة من أبرز محطاته المهنية. هناك، لم يكن مجرد مدير إعلام، بل كان جزءاً من مشروع تحوّل أكاديمي، شهد خلاله النظام الجامعي تطورات لافتة، من بينها تبني مفهوم “الجامعة المنتجة” الذي يقوم على معادلة تجمع بين القاعة الدراسية والمختبر وفضاء العمل، في رؤية تربط العلم بالحياة مباشرة.

أما في الحقل الإعلامي العربي والدولي، فقد كان من أوائل من انخرطوا في التجربة الفضائية العربية الحديثة، إذ عمل مراسلاً ثم مديراً لمكتب شبكة MBC في مرحلة انطلاقها من لندن، قبل أن ينتقل إلى قناة “العربية” مع تأسيسها، مراسلاً ومديراً لمكتبها، ثم انتقاله إلى دبي عام 2003 لإدارة الملف العراقي، وتقديم برنامجين سياسي واقتصادي أسبوعيين، إلى جانب مساهماته الإخبارية والعاجلة. كانت تلك المرحلة امتداداً طبيعياً لمسيرته، حيث التقى الإعلام التقليدي بالإعلام الفضائي في لحظة تحوّل كبرى في المنطقة.

وإلى جانب ذلك، كتب في عدد من الصحف والمجلات العربية، محرراً ومراسلاً، في “كل العرب”، و” العرب اللندنية”، و” المصور العربي”، و” الدستور”، حيث يواصل حتى اليوم كتابة مقاله الأسبوعي “فوق المعلق”، في إشارة رمزية إلى جسر المعلق، أحد أبرز معالم بغداد، وكأن المقال عنده امتداد لذاكرة المدينة نفسها.

وفي رؤيته العامة، لا ينفصل الإعلام عن السياسة ولا عن بنية الدولة؛ إذ يرى أن العراق بعد عام 2003 قد اختُطف من مشروعه الوطني، لصالح مشاريع طائفية ومحاصصاتية، وأن معظم القوى السياسية التي حكمت البلاد لم تنطلق من إرادة وطنية خالصة، بل من تأثيرات خارجية متعددة الاتجاهات.

كما يذهب إلى أن العراق بحاجة إلى كفاءات وطنية حقيقية لإدارته، وأن الأزمة ليست في الموارد بل في طبيعة النظام السياسي نفسه.

ويرى أيضاً، من زاوية تحليلية إعلامية، أن المؤسسات الصحفية المرتبطة بالأحزاب والمكونات، ساهمت في إعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي، بدلاً من بناء خطاب وطني جامع، تحت شعارات “المكوّن” و” الاستحقاق”، بعيداً عن فكرة الدولة الواحدة.

وفي قراءته للتاريخ السياسي العراقي، يستعيد تجربة النظام الملكي بوصفها محاولة مبكرة لبناء دولة مستقرة، ويستحضر مقولة نوري السعيد حول الأمن الوطني وضرورته لامتلاك منفذ بحري وتأمين مياه دجلة والفرات، باعتبارها رؤية استراتيجية مبكرة لفهم الجغرافيا السياسية للعراق.

أما على الصعيد الشخصي، فحياته تستقر في إطار أسري أكاديمي وإعلامي؛ زوجته أستاذة في الجامعة الأمريكية -الإماراتية في كلية الإعلام، وأبناؤه الأربعة يعملون جميعاً في الحقل الإعلامي، في امتداد طبيعي لمسيرته المهنية والفكرية.

وأتذكر أنني تعرّفت إليه في الثمانينات، حين كان يعمل في جريدة “الجمهورية”، هناك في بغداد التي كانت تضجّ بالصحافة والأسئلة والاحتمالات. كان ذلك زمن الصحافة الورقية بكل ثقلها وجديتها، وزمن الصحفي الذي يعيش داخل الجريدة كما يعيش داخل بيته، لا يغادرها إلا ليعود إليها أكثر التصاقاً بالكلمة.

أما أول لقاء مباشر بيننا، فكان بعد عودتي من دراسة الدكتوراه، حين زارني بصحبة المصمم والصديق عدنان الجبوري. كان لقاءً بسيطاً في ظاهره، لكنه حمل ما يشبه بداية صداقة مهنية وإنسانية ستأخذنا لاحقاً من بغداد إلى دبي، ومن ذاكرة الصحافة العراقية إلى فضاء الإعلام العربي الأوسع.

منذ تلك اللحظة، بدأت رحلتنا المشتركة تتشكل بهدوء، لا بوصفها علاقة عابرة بين زميلين، بل كمسار طويل من العمل والحوار والتنقل بين المدن والتجارب. عرفته عن قرب، فوجدته صريحاً إلى حدّ نادر، لا يجامل الفكرة على حساب الحقيقة، ولا يهادن الموقف حين يتعلق الأمر بالجوهر.

كان أشبه بأرشيف صحفي حيّ، يحمل في ذاكرته الأمكنة والأسماء والتفاصيل، وكأن السنوات لم تمر عليه، بل استقرت داخله طبقات من الخبرة لا تهدأ.

ومع انتقالنا من بغداد إلى دبي، اتسعت مساحة اللقاءات والحوارات، وتحوّل العمل إلى امتداد طبيعي للصداقة، حيث تتداخل المهنة مع الذاكرة، والخبرة مع التجربة، في سياق واحد لا ينفصل.

كان يتصل بي من قناة “العربية” لإجراء مقابلات تلفزيونية حول تطورات الأحداث العراقية، فكانت تلك الحوارات امتداداً طبيعياً لثقة مهنية متبادلة، تجمع بين سرعة الحدث وعمق التحليل، وتؤكد حضورنا المشترك في قلب المشهد الإعلامي العربي.

أما آخر لقاء جمعنا، فكان في مطعم هادئ على شاطئ الشارقة، بصحبة الصديق كامل الشرقي. هناك، بين البحر وامتداده المفتوح، كان الحديث متشعباً كما هي العادة بيننا؛ نتنقل بين الأمس واليوم، بين الصحافة كما عرفناها، والإعلام كما صار، وبين الأسئلة التي لم تتوقف يوماً عن ملاحقة المعنى في هذا التحول الكبير.

كان لقاءً يشبه الخاتمة المفتوحة؛ لا ينتهي، لكنه يبقى معلقاً في الذاكرة، مثل موجٍ لا يكفّ عن العودة إلى الشاطئ.

وهكذا، تبدو سيرة الدكتور صباح ناهي أقرب إلى سيرة إعلامي عاش داخل التحولات لا على هامشها؛ كتب، ودرّس، وأدار، وحاور، وراقب، وظلّ في قلب المشهد العراقي والإعلامي، شاهداً وفاعلاً في آن واحد، يحمل هاجس الوطن، وأسئلة الدولة، وقلق الكلمة التي لا تزال تبحث عن معناها في زمنٍ شديد الاضطراب.

 

زر الذهاب إلى الأعلى